Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢١٢السيرة النبوية.
أَمَّا قُرَيْضٌ فَقَدْ نَاحَتْ عَلَى قَتْلَاهَا وَبَكَتْهُمْ بُكَاءَ مُرًا، لِأَنَّهَا رُزِئَتْ رُزْءًا عَظِيمًا بِمَقْتَلِ سَادَتِهَا وَكُبَرَائِهَا الَّذِينَ كَانُوا شَامَةٌ فِي جَبِينِ الْعَرَبِ وَالْعُرُوبَةِ، وَلَكِنَّ لَجَاجَةَ أَبِي جَهْلٍ وَشِدَّةَ عِبَادِهِ وَعَدَاوَتِهِ وَوَقَاحَتِهِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ هِيَ الَّتِي أَوْرَدَتْ قُرَيْشًا ذَلِكَ المورد المُهْلِكَ، وَأَوْدَتْ بهِمْ ذَلِكَ الْإِيدَاءَ الْجَهَنَّمِيَّ، لِذَلِكَ سَمَّاهُ الرَّسُولُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، عِنْدَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مَقْتُولًا:" هَذَا أَبُو جَهْلٍ، هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ
الْأُمَّةِ " (1).
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ - أَيْ: أَبُو جَهْلٍ - مُمْتَلِى غُرُورًا وَعُجْبًا بِنَفْسِهِ وَبِقَوْمِهِ، وَدَائِمَا مَا
يُورِدُ الْغُرُورُ الْإِنْسَانَ مَوْرِدَ الْمُهَالِكِ.
وَلَعَلَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي كَنَّاهُ أَبُو جَهْلِ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ وَعَدَاوَةِ وَوَقَاحَةِ لِلْإِسْلَامِ وَنَبِيِّ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَنَّهُ اشْتَهِرَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الشَّرِّيرَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَحَتَّى أَنَّ غِلْمَانَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ عَنْهُ ذَلِكَ، لِذَلِكَ كَانَ الصَّغَارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْكِبَارِ فِي المُعْرَكَةِ يَتَسَابَقُونَ رَغْبَةٌ فِي قَتْلِهِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنِّي لَفِي الصَّفُ يَوْمَ بَدْرٍ إِذِ الْتَفِتُ فَإِذَا عَلَى يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثًا السِّنُ، فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهَا، إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ: يَا عَمُ، أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ، فَقُلْتُ: ابْنَ أَخِي مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ،
(1) النَّذوِيُّ السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ص 176.
212