Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣السيرة النبوية
قَالَ: أَنْ تَضْرِبَ بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِي. قَالَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا أَخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ.
فَنَاوَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَأَخَذَ يُنْشِدُ:
أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ ألأ أَقومَ الدَّهْرَ فِي الكُبُولِ أَضْرِبُ بِسَيْفِ الله وَالرَّسُولِ
وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ مِنْ شُبْعَانِ الرِّجَالِ وَأَبْطَالِ الْعَرَبِ، وَكَانَتْ لَهُ عُصَابَةٌ حَمْرَاءُ،
إِذَا أَرَادَ الْقِتَالَ اعْتَصَبَ بِهَا، وَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ عَازِمٌ بِقُوَّةٍ عَلَى الْقِتَالِ.
فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ الله أَخْرَجَ عُصَابَتَهُ، فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، يَتَبَخْتَرُ فِي
مِشْيَتِهِ بَيْنَ الصَّفَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: إِنَّهَا يَشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللهُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِن. عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ وَإِقْرَارَ الرَّسُولِ لَهُ بِذَلِكَ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ فِي
بَعْضِ الْمَوَاطِنِ أَنْ يُظْهِرَ تَفَوقَهُ وَشَخْصِيَّتَهُ وَفَضْلَهُ (1).
أَمَّا أَبو سُفْيَانَ قَائِدُ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ قَامَ بِتْحَرِيضِ أَصْحَابِ اللَّوَاءِ وَهُمْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَإِخْوَانُهُ وَمُعَيّرًا هُمْ بِالْهِزَامِهِمْ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، قَائِلًا هُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، إِنَّكُمْ قَدْ وُلّيتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ
(1) يَقُولُ أَبو مُحَمَّدٍ ابْنُ بَرَكَةَ: وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنْ لَا يَنضِمَ نَفْسَهُ، بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُظْهِرَ فَضْلَهُ، مُسْتَدِلًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْيَهُودِيُّ: وَاللهِ إِنِّي لَأَمِينٌ فِي الْأَرْضِ أَمِينٌ فِي السَّمَاءِ»، وَأَقُولُ: كَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ اللَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» … دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى جَوَازِ إِظْهَارِ الْفَضْلِ وَالتَّمَيُّرِ وَالتَّفَوُّقِ فِي بَعْضِ الْمُوَاطِنِ.
243