Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠السيرة النبوية.
وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَهْدِفُ إِلَى إِجْلَائِهِمْ عَنِ المَدِينَةِ وَلَيْسَ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَلَمَّا أَبوا الخروج وَالجَلَاءَ وَأَطَالُوا الْحِصَارَ؛ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَحَرْقِهَا، فَنَادُوا يَا مُحَمَّدُ، قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتُعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ، فَما بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ فَوَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: {مَا قَطَعْتُم مِن
لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَسِقِينَ} (1). وَما لَمْ يَفْعَلِ المُنافِقُونَ لَهُمْ شَيْئًا مِمَّا وَعَدُوهُمْ مِنَ النَّصْرِ؛ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ الْإِجْلَاءَ وَالْكَفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَسْمَحَ هُمْ بِحَمْلِ مَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمُ المَنْقُولَةِ، فَسَمَحَ هُمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ إِنَّهُ حَدَّدَ لَهُمْ مَا يَحْمِلُونَهُ، فَخَرَجُوا جَلَاءٌ إِلَى خَيْبَرَ وَإِلَى الشَّام، فَخَرَجُوا شَافِّينَ طَرِيقَهُمْ وَسَطَ المَدِينَةِ بِنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، يَضْرِبُونَ
الدُّفُوفَ وَالْمُرَامِيرَ بِالْغِنَاءِ وَالْأَهَازِيجِ لِإِظْهَارِ التَّجَلُّدِ وَعَدَمِ التَّأْثُرِ.
وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ هُمَا: يَامِينُ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَعَاشِ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ، فَأَحْرَزَا أَمْوَاهُما.
(1) الْحَشْرُ، 5، وَهَكَذَا دَائِمَا دَعَوَاتُ أَهْلِ الْبَاطِلِ عِنْدَمَا يَسُوقُهَا أَصْحَابُهَا تَدْلِيسًا وَتَمْوِيهَا، يُسْرِعُ أَهْلِ الْفَضْلِ إِلَى تَصْدِيقِهَا وَالتَّأثرِ بِهَا، هَذَا وَاقِعٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي زَمَانِنَا هَذَا الشَّيْءُ الكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ.