السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٨٠

السيرة النبوية.

وَقَسَّمَ رَسُولُ الله أَعْمَالَ الْخَفْرِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، حَيْثُ وَزَعَهُمْ لِيَكُونَ كُلُّ عَشَرَهُ أَشْخَاص يُكَوِّنُونَ فَرِيقًا وَاحِدًا، وَهُنَالِكَ تَأَسَّسَتْ نَظرِيَّةُ عَمَلِ الْفَرِيقِ الْوَاحِدِ وَقَدْ خَصَّصَ لِكُلِّ فَرِيقِ عَمَلِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، أَيْ عِشْرِينَ مِتْرًا، وَكَانَ طُولُ الْخَنْدَقِ حَوَالَيْ

خَمْسَةِ آلَافِ ذِرَاعٍ، أَيْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ مِثْرٍ، وَعُمْتُهُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ أَيْ خَمْسَةَ أَمْتَارٍ. وَعَمِلَ المُسْلِمُونَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ بِكُلِّ دَابِ وَإِخْلَاصِ وَتَفَانٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْمَلُ مَعَهُمْ فِي الْخَفْرِ بِنَفْسِهِ، بَلْ إِنَّهُ كَانَ أَشَدَّهُمْ تَحَمُّلًا إِظْهَارًا لِلْمُسَاوَاةِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْإِسْلَامِ وَجَوْهَرُهُ. حَيْثُ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرَيْنِ، بَيْنَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ يَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدٍ حَجَرًا

حَجَرًا.

وَكَانَ الْوَقْتُ شِتَاءٌ حَيْثُ كَانَ الطَّقْسُ قَاسِبًا شَدِيدَ الْبُرُودَةِ، أَمَّا الْجُوعُ فَهُوَ ضَارِبٌ بِأَطْنَابِهِ بَيْنَهُمْ، وَلِكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَانُوا مَسْرُورِينَ، وَمَعْنَوِيَّاتُهُمْ مُرْتَفِعَةٌ وَيَرْتَجِزُونَ الشِّعْرَ تَعْبِيرًا عَنْ رِضَاهُمْ وَسُرُورِهُمْ بِذَلِكَ، وَلا رَأَى النَّبِيُّ الْكَرِيمُ الرَّحِيمُ مَا بِهِمْ مِنْ جُوعٍ وَجَهْدِ وَتَعَبٍ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةٍ قَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: " اللهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهُ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهُ، لِمَا حَمَلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤَكِّدُوا وَلَاءَهُمْ وَإِخْلَاصَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا

280

٢٧٥ / ٦٢٠