السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٨١

السيرة النبوية.

إِنَّ حَفْرَ الخَنْدَقِ يُعْتَبَرُ مِنَ المشاريع الحَضَارِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ (1)، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ بِإِشَارَةِ مِنْ سَلْمَانَ وَهُوَ فَارِسِيُّ، إِلَّا أَنْ هَنْدَسَةَ المُشْرُوعِ مِنْ حَيْثُ اخْتِيَارُ الْمَكَانِ، وَطُولُ الخنْدَقِ وَعُمْقُهُ، وَطَرِيقَةُ الْعَمَلِ، كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ، وَقَدْ تَسَابَقَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارِ فِي ضَمَّ انْتِمَاءِ سَلْمَانَ، فَكُلُّ مِنَ الْفَرِقَيْنِ يُرِيدُ انْتِهَاءَهُ إِلَيْهِ، حَتَّى حَسَمَ رَسُولُ الله الموْقِفَ بِقَوْلِهِ: " سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ" كَمُكَافَأَةٍ لِسَلْمَانَ عَلَى إِشَارَتِهِ بِحَفْرٍ

الخَنْدَقِ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ. وُصُولُ الْأَحْزَابِ:

كَانَ وُصُولُ الْقَبَائِلِ الْمُتَحَزِّبَةِ حَوْلَ المَدِينَةِ، بَعْدَ فَرَاغِ المُسْلِمِينَ مِنْ حَفْرِ خَنْدَقِهِمْ، حَيْثُ نَزَلَتْ قُرَيْضٌ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ الْأَحَابِي وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ كِنَانَةِ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، بِمُجْتَمَعِ الْأَسْبَالِ فِي مَنْطِقَةِ رُومَةَ، وَعَدَدُهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَنَزَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ أَشْجَعَ وَسُلَيْمٍ وَبَنِي أَسَدٍ بِمَنْطِقَةِ جَبَلِ أُحُدٍ، وَعَدَدُهُمْ سِتَّةَ آلافِ رَجُلٍ، حَيْثُ صَارَ تَجمُوعُهُ عَشْرَةَ آلَافِ رَجُلٍ مُقَاتِلٍ، وَهُوَ عَدَدٌ كَبِيرٌ يُوَاجِهُهُ المُسْلِمُونَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حُرُوبِهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَكَانَ حُبَيُّ بْنُ أَخْطَبَ الْيَهُودِيُّ يُرَاقِبُ وُصُوهُمْ وَيُرَتِّبُ نُزُوهُمْ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَلا اطْمَأَنَّ إِلَى أَخْذِهِمْ مَوَاقِعَهُمْ، انْطَلَقَ

(1) وَصْفُ الحَضَارَةِ المَادِيَّةِ وَالْعُمرَانِيَّةِ بِأَنَّهَا حَضَارَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، تَعْبِيرُ غَيْرُ دَقِيقِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ وَثَقَافَةٌ، أَمَّا الْأَشْيَاءُ المَادِيَّةُ وَالْعُمْرَانِيَّةُ فَالْأَوْلَى أَنْ تُنْسَبَ إِلَى شُعُوبِهَا، فَيُقَالُ الْحَضَارَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْحَضَارَةُ الْفَارسَيَّةُ وَالْحَضَارَةُ التَّرْكِيَّةُ مَثَلًا.

281

٢٧٦ / ٦٢٠