Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣السيرة النبوية.
وفي الحقيقةِ الظَّاهِرَةِ لِلْعَيَانِ، أَنَّ المُعْطَيَاتِ الَّتِي عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ تُشِيرُ إِلَى إِمْكَانِيَّةِ تَحَقُّقِ مَا كَانَ يَحْلُمُ بِهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَرَبُ الْأَحْزَابِ، بَلْ إِلَى الْجُزْمِ بِذَلِكَ التَّحْقُقِ، فَعَشَرَةُ آلافٍ مِنْ مُقَاتِلِ الْعَرَبِ يُضَافُ إِلَيْهِمْ مِنَاتٌ مِنَ الْيَهُودِ أَمْرٌ كَفِيلٌ بِالْقَضَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ وَنَبِيَّهِمْ، لَوْلَا النَّبوَّةُ المُحَاطَةُ بِالدَّعْمِ الرَّبَّانِيِّ وَالنَّصْرِ الْإِلَمِيِّ، وَهَذَا المُفْهُومُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ عُقتُولِ عَرَبِ الْأَحْزَابِ، فَهُوَ بِالتَّأْكِيدِ غَيْرُ غَائِبٍ عَنْ عُقُولِ حُيَيٍّ بنِ أَخْطَبَ وَالْيَهُودِ بَلْ حَاضِرٌ فِي عِلْمِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:
الَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (1)، وَلَكِنَّهُ الْعِنَادُ الْيَهُودِيُّ المُتَأَصِّلُ حِدًا وَكَرَاهِيَةً ضَدَّ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ.
عَلَى أَنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أَنَّ الْيَهُودَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِآيَةِ دِيَانَةٍ رَبَّانِيَّةٍ جَاءَتْ بَعْدَ الدِّيَانَةِ الْيَهُودَيَّةِ، فَهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالدِّيَانَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالْإِسْلَامِ، كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِنَبِي صَاحِبِ رِسَالَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِنَبِيٍّ قَطُّ بَعْدَ النَّبِيِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ لِلْعَهْدِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ التَّحَقُقَ فَأَرْسَلَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيْدُ الْخَزْرَج، وَقَالَ هُمْ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقًّا مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْخُنُوا
(1) سُورَةُ الْبَقَرَةِ الْآيَةُ: 146.
283