Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٢٨٧السيرة النبوية.
لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَننَا بِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَتَلُوا إِلَّا
قليلا (1).
مُحَاوَلَاتُ الصُّلْحِ مَعَ غَطَفَانَ:
أَمَامَ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنَ التَّرَقُبِ فِي انْتِظَارِ سَاعَةِ الصِّفْرِ لِوُجُومِ الْأَحْزَابِ مِنَ الْخَارِجِ وَمِنَ الدَّاخِلِ، بَدَأَتْ تَدِبُّ فِي قُلُوبِ التَّحَالُفِ شُكُوكُ عَدَمِ الثَّقَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ له يُرَاقِبُ الْمُوْقِفَ بِدَقَّةٍ مُتَنَاهِيَة، وَيُتَابِعُ الْأَحْوَالَ وَيَسْتَطيعُ الْأُمُورَ، وَهُنَالِكَ اخْتَرَقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جِدَارَ الصَّمْتِ فَبَعَثَ إِلَى قَادَةِ غَطَفَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْكَفْ عَنِ الحَرْبِ وَالإِنْسِحَابِ مِنَ التَّحَالُفِ عَلَى أَنْ يُعْطَوْا ثُلُثَ لِمارٍ سَنَةٍ مِنْ ثِمَارِ المَدِينَةِ؛ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ وَعَدُوهُمْ بِثَمَارِ سَنَةٍ مِنْ خَيْبَرَ، وَلِذَلِكَ وَافَقَ قَادَهُ غَطَفَانَ، غَيْرَ أَنَّ النبي لما اسْتَشَارَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَدَ الْأَوْسِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ سَيِّدَ الْخَزْرَجِ لَمْ يُوَافِقَا عَلَى ذَلِكَ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَمْرًا مِنَ الله تَعَالَى، أَمَّا مَا دَامَ الْأَمْرُ اجْتِهَادًا وَنَصِيحَةً مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّ لَهُمَا رَأْيَا آخَرَ، وَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرًا تُحِبُّهُ فَنَصْنَعَهُ؟ أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لَا بُدَّ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ؟ أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟».
قَالَ: بَلْ شَيْئًا أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَالله مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّنِي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسِ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ إِلَى أَمْرٍ مَا، فَتَكَلَّم سَعْدُ بْنُ مُعَادٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى
(1) سُورَةُ الْأَحْزَابِ الْآيَاتُ: 12 - 20.
287