السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

السيرة النبوية.

تحرَّكَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ نُعَيْمٍ، وَحَرَّكَ جَوَارِحَهُ وَتَسَلَّل خِفْيَةً لِلْوُصُولِ إِلَى النَّبِيِّ لِيُخْبِرَهُ بِإِسْلَامِهِ، وَبِاسْتِعْدَادِهِ لِعَمَلِ أَيِّ شَيْءٍ يُسْنَدُ إِلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: " إِنَّمَا أنتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذَلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ". وقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِنُعَيْمٍ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْلَمُ عَلَاقَاتِهِ الْعَامَّةَ مَعْ أَطْرَافِ الْأَحْزَابِ، أَوْ أَنَّ نُعَيْا نَفْسَهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عَلَاقَاتِهِ تِلْكَ، وَالْعِبَارَةُ المُعْجِزَةُ " الحَرْبُ خُدْعَةٌ أَصْبَحَتْ قَاعِدَةٌ مُهَمَّةٌ فِي الحروبِ وَسِلَاحًا قَوِيًّا ضِدَّ الخصم.

وَقَامَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ بِالْمُهَمَّةِ، وَكَانَ بَنُو قُرَيْظَةَ الَّذِينَ تَرْبِطُهُ بِهِمْ عَلَاقَةٌ نَدِيمُيَّةٌ وَصَدَاقَةٌ حَمِيمِيَّةٌ تَحطَّتَهُ الْأُولى هذهِ المُهمَّةِ، حَيْثُ نَبَّهَهُمْ إِلَى عَاقِبَةِ الْأَمْرِ إِنِ انْسَحَبَتِ الْأَحْزَابُ الْعَرَبُ مِنَ الْمُعْرَكَةِ، فَكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى بَلَدِهِ وَقَوْمِهِ وَمَوْطِنِهِ، أَمَّا بَنُو قُرَيْظَةَ وَحْدَهُمْ لَا وَطَنَ هُمْ سِوَى المَدِينَةِ، وَعُجَاوَرَةِ المُسْلِمِينَ فِيهَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِالاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِهِمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُبُوا مِنَ الْأَحْزَابِ رَهَائِنَ بَشَرِيَّةٌ تَكُونُ عِنْدَهُمْ،

ضَمَانًا لِلالْتِرَامِ بِالْعَهْدِ، وَهُوَ مَا اسْتَحْسَنُوهُ وَمَالُوا إِلَيْهِ وَحَبَّدُوهُ.

ثُمَّ تَوجَّهَ نُعَيْمُ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ نَدَمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَتَقْرِيرَهُمُ التَّخَلِّي عَنِ الْأَحْزَابِ، وَذَلِكَ بِأحَدَائِهِمْ مُفَاوَضَاتٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَخَضَتْ عَنِ اتَّفَاقِ، يَقُومُ بِمُوجَبِهِ بَنُو قُرَيْظَةَ بِأَخْذِ رَهَائِنَ بَشَرِيَّةِ مِنَ الْأَحْزَابِ وَتَسْلِيمِهِمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ يَتَعَاوَنَ المُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْزَابِ وَهَزِيمَتِهِمْ. وَتَوَجَّهُ بِذَاتِ المُهِمَّةِ إِلَى قَوْمِهِ غَطَفَانَ، لِيَقُولَ هُمْ نَفْسَ الْقَوْلِ، وَهُنَالِكَ أَخَذَتِ الشُّكُولُ تَذْهَبُ بِالْأَحْزَابِ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، وَاهْتَزَّتِ الثَّقَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ،

293

٢٨٨ / ٦٢٠