السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٢

السيرة النبوية.

عَامًا كَانَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ عَن الْحِكْمَةِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ سَأَلَ كِبَارَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُفَكِّرِينَ عَنْ

ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْفُوا لَهُ عَلِيلًا، وَلَمْ يَرْوُوا لَهُ غَلِيلًا.

وَذَاتَ يَوْمٍ سَأَلَ وَلَدَهُ أَفْلَحَ بْنَ أَحْمَدَ الْخَلِيلِي عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَا فِي السَّيَّارَةِ، فَأَجَابَهُ عَلَى الْقَوْرِ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ هِيَ تَكْرِيسُ الْعَقِيدَةِ فِي الْفَتْرَةِ المُكَّيَّةِ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ عِنْدِي إِضَافَةٌ في المَوْضُوع، وَهِيَ أَنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ إِسْحَاقَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ فِي الْقُرْآنِ المُمكَّيِّ فِيهَا تَوْجِيهُ لِلْعَرَبِ وَلَعَلَّهُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةٌ بِعَدَمِ الْمُغَالَاةِ فِي الاِعْتِدَادِ بِالْأَنْسَابِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ وَفِيهِمْ قُرَيْسٍ كَثِيرُو الْاِعْتِدَادِ وَالِاعْتِزَازِ بِأَنْسَابِهِمْ وَبِانْتِسَابِهِمْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَكْبَحَ جَمَاحَ ذَيْنِكَ الاِعْتِدَادِ وَالاعْتِرَازِ لَدَيْهِمْ.

أَمَّا تَقْدِيمُ ذِكْرِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى إِسْحَاقَ فِي الْقُرآنِ المُدَيِّ فَفِيهِ تَحَدٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا مُعْتَدِّينَ بِالإنْتِسَابِ إِلَى إِسْحَاقَ إِلَى حَدَّ الْغُرُورِ، بَلْ إِلَى حَدَّ التميزِ الْعُنْصُرِيٌّ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ وَصَلَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَالُوا بِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَمَا حَكَى عَنْهُمُ الْقُرْآنُ، وَقَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: إِنَّهُمْ شَعْبُ الله المُخْتَارُ، فَإِزَاءَ ذَلِكَ الصَّلْفِ الْعُنْصُرِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ وَيُبَيَّنُ هُمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَفْضَلَ مِنَ الْعَرَبِ نَسَبًا، فَالْكُلُّ يَرْجِعُ إِلَى

إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

32

٣١ / ٦٢٠