السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

السيرة النبوية.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِهِ مُخَاطِبًا هُمْ قَائِلًا: هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَالله لَوْ أَمْسَكْتُمْ

عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوَّلُوا إِلَى غَيْرِ دَارِكُمْ.

الْخَطَّابِ،

فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الخطاب، فَاقْتَرَحَ عَلَى رَسُولِ الله قَتْلَهُ،،

وَلَكِنَّ الرَّسُولَ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ؟! لَا، وَلَكِنْ أَذْنَ بِالرَّحِيلِ.

فَارْتَحَلَ رَسُولُ الله بِالنَّاسِ فِي وَقْتِ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ الرَّحِيلُ فِيهِ حَتَّى اسْتَغْرَبَ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَقْبَلُوا يَتَسَاءَلُونَ عَنِ السَّبَبِ، فَلَها أَخْبِرُوا بِمَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ الله مُعْلِنِينَ وُقُوفَهُمْ مَعَهُ، وَفِي نَفْسٍ الْوَقْتِ أَوْضَحُوا السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَ عَبْدَ الله بْنَ أَبي عَلَى ذَلِكَ قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ الله، ارْفُقُ بِهِ، فَوَاللَّهُ لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ

وَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظِلِمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوَجُوهُ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّكَ قَدِ اسْتَلَيْتَهُ مُلْكًا. وَسَارَ رَسُولُ الله بِالنَّاسِ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى أَمْسَوْا، وَلَيْلَتَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا، وَصَدْرًا مِنْ نَهَارِ الْيَوْمِ الثَّانِي، فَمَا أَنْ نَزَلُوا عَنْ رَوَاحِلِهِمْ وَمَسُّوا الْأَرْضَ حَتَّى وَقَعُوا نِيَامًا مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ، وَرَاحَ بِهِمْ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ سَالِكًا طَرِيقَ الْحِجَازِ مَارًا بِبَقْعَاءَ حَتَّى قدم بهم المدينة.

فَأَنْسَاهُمْ ذَلِكَ حَدِيثَ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ حُسْنُ سِيَاسَة وَحَزْمُ قِيَادَةٍ مِنْ رَسُولِ الله؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا اشْتَعَلَتْ كَانَ مَدْعَاةٌ إِلَى الْفُرْقَةِ وَالْخِلَافِ وَالشَّقَاقِ وَالاقْتِتَالِ، وَمَا

324

٣١٧ / ٦٢٠