السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٢٦

السيرة النبوية.

الَّذِي جَعَلَهَا تَتَأَخَّرُ عَنِ الارْتِحَالِ مَعَ الْقَوْمِ فَلَمْ يُفْطَنْ إِلَيْهَا، وَمَا عَادَتْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَجَدَتِ الرَّكْبَ قَدِ ارْتَحَلُوا، فَجَلَسَتْ حَائِرَةٌ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تَتَصَرَّفُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ مِنْ عَادَتِهِ - وَلَعَلَّهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - يَتَأَخَّرُ عَنِ الرَّكْبِ لالْتِقَاطِ أَشْيَاءِ النَّاسِ وَمُخَلَّفَاتِهِمْ، وَبَيْنَها كَانَ يَهُم بِذَلِكَ، تَفَاجَأَ بِامْرَأَةٍ مُتَلَفْفَةٍ بِأَكْسِيَتِهَا، وَلا اقْتَرَبَ مِنْهَا عَرَفَ أَنَّهَا زَوْجَهُ رَسُولِ اللَّهِ، فَنَادَاهَا وَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَيَاءٌ، فَقَرَّبَ لَهَا الْبَعِيرَ فَرَكِبَتْهُ، وَلَحِقَ بِالنَّاسِ عِنْدَ دُخُوهِمُ الْمَدِينَةَ.

وَعِنْدَمَا عَرَفَ النَّاسُ الْقِصَّةَ أَخَذَ بَعْضُهُمْ يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ إِفْعًا وَزُورًا، وَقَدْ تَوَلَّى كِبْرَ ذَلِكَ عَبْدُ الله بْنُ أَي زَعِيمُ النِّفَاقِ وَالمُنافِقِينَ، وَتَوَرَّطَ فِيهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ كَحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ وَمِسْطَحِ بْنِ أَنَاثَةَ، وَحَنَةٌ بِنْتُ جَحْشٍ، وَارْتَجَفَتِ المَدِينَةُ قِيلًا وَقَالًا عَنْ عَائِشَةَ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا لِمَا كَانَ يَدُورُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَرِيضَةٌ بَعْدَ عَوْدَتِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَفِي ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ الله بِهَا، إِلَّا أَنَّهَا أَنْكَرَتْ مُعَامَلَةَ رَسُولِ الله لَهَا، فَذَهَبَ بِهَا الظَّنُّ إِلَى حُلُولِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ مَحَلَّهَا فِي قَلْبِ رَسُولِ الله، حَتَّى أَنَّهَا لَمَّا طَلَبَتْ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا لِلتَّمَرُّضِ فِيهِ وَافَقَ سَرِيعا عَلَى ذَلِكَ، وَفَشَا الْخَبَرُ فِي الْمَدِينَةِ وَوَصَلَ إِلَى أَسْمَاعِ كُلِّ النَّاسِ إِلَى أَنْ تَضَايَقَ رَسُولُ الله مِنْ ذَلِكَ ضِيقًا شَدِيدًا، حَمَلَهُ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى مِنْبَرِ مَسْجِدِهِ يُخَاطِبُهُمْ قَائِلا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُ رِجَالٍ يُؤْذُونَنِي فِي أَهْلِي، وَيَقُولُونَ فِيهِمْ غَيْرَ الحَقِّ، وَالله مَا عَلِمْتُ مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرًا، وَيَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ وَالله مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلَّا وَهُوَ مَعِي.

326

٣١٩ / ٦٢٠