السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٣٥٢

السيرة النبوية.

مَوْقِفُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْهُدْنَةِ:

لَا شَكٌّ أَنَّ جُنُودَ الْهُدْنَةِ تُوحِي بِأَنَّ هُنَاكَ تَنَازُلَاتٍ كَبِيرَةٌ مِنَ الْجَانِبِ الْإِسْلَامِيِّ لِصَالِحٍ قُرَيْشٍ، وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله، فَصَدَرَتْ مِنْهُمُ الْعِبَارَةُ التَّالِيَةُ: أَلَسْنَا بِالمُسْلِمِينَ؟ وَأَلَيْسُوا بِالمُشْرِكِينَ؟ فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ فَكَانَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ عَلَى لِسَانِ الْكَثِيرِينَ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ تَرْدِيدًا لَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَتِيجَةَ الْإِحْبَاطِ الَّذِي أَصَابَهُمْ حَتَّى قَالَ لَمْ رَسُولُ الله: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أَخَالِفَ أَمْرَهُ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي، عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُخَالَفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ لِنَبِيِّهِمْ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ أَكْثَرَهُمْ مُخَالَفَةٌ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ رَاجِعُ إِلَى شِدَّتِهِ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ قَالَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ اعْتَذَرَ لِلنَّبِيُّ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ: وَقُرَيْشُ تَعْرِفُ عَدَاوَتِي لَهَا، حَتَّى أَنَّهُ مِنْ وَقْعِ الصَّدْمَةِ عَلَيْهِمْ بِاتِّفَاقِ الْهُدْنَةِ، لَمْ تَكُنِ الاسْتِجَابَةُ سَرِيعَةٌ لِلْإِحْلَالِ مِنَ الْإِحْرَامِ عِنْدَمَا أَمَرَهُمْ رَسُولُ الله قَائِلًا: قُومُوا فَانْحَرُوا وَاحْلِقُوا، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ سَيِّدَةِ الْعُقَلَاءِ أُمَّ سَلَمَةَ حَزِينًا مُغْضَبًا، فَأَخْبَرَهَا عَمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: انْطَلِقُ أَنْتَ إِلَى هَدْيِكَ فَانْحَرْهُ، فَإِنَّهُمْ سَيَقْتَدُونَ بِكَ، فَاضْطَبَعَ بِثَوْبِهِ وَأَخَذَ الْحَرْبَةَ، فَبَدَأَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ رَافِعًا صَوْتَهُ قَائِلًا: بِسْمِ الله، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ يَنْحَرُ تَوَاثَبُوا إِلَى الْهَدْيِ فَنَحَرُوا هَدْيَهُمْ (1).

(1) لَعَمْرِي إِنَّهَا لَظَاهِرَةٌ صِحيَّةٌ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالْمُحْكُومِ، أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يُؤَدِّي إِلَى الْوِفَاقِ وَلَيْسَ إِلَى الخَلافِ، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ أَئِمَّتُنَا شَرْقًا وغربًا.

٣٤٤ / ٦٢٠