Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦السيرة النبوية.
مِنْ آثَارِ الْهُدْنَةِ
أَوَّلا: هِجْرَةُ أَبِي بَصِيرٍ: كَانَ فِي مَكَّةَ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَضْعَفِينَ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْهِجْرَةَ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا إِظْهَارَ إِسْلَامِهِمْ، فَلَما وَقَعَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى المَدِينَةِ، أَتَاهُ أَبُو بَصِيرٍ عتبه بن أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةً حَلِيفٌ بَنِي زُهْرَةَ قَادِمًا مِنْ مَكَّةَ، فَارًّا بِدِينِهِ، فَكَتَبَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ يُذَكَّرُونَهُ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَنْ يَرُدَّ أَبَا بَصِيرِ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثُوا هِذِهِ المُهِمَّةِ خُنَيْسَ بْنَ جَابِرِ الْعَامِرِيَّ الْقُرَشِيَّ وَمَوْلَاهُ كَوْثَرًا، فَلَمَا سَلَّمَا الْكِتَابَ
لَهُ
أَمَرَ رَسُولُ الله أَبَا بَصِيرٍ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ لِلْعَهْدِ الَّذِي تَمَّ، وَبَشَّرَهُ بِفَرَجِ وَغَخَرَج لـ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ، فَرَجَعَ أَبو بَصِيرٍ بِصُحْبَةِ الرَّجُلَيْنِ، وَلا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ عَدَا أَبو بَصِيرٍ عَلَى حُنَيْسٍ فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ مَوْلَاهُ مَذْعُورًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ إِلَى رَسُولِ الله وَقَالَ لَهُ: وَفَتْ ذِمَّتُكَ يَا رَسُولَ الله تَصَرَّفْتُ بِنَفْسِي وَامْتَنَعْتُ بِدِينِي، فَقَالَ رَسُولُ الله: وَيْلَ أُمِّهِ عَشُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ.
وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، فَذَهَبَ إِلَى الْعِيصِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، حَيْثُ طَرِيقُ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ خُفْيَةً إِلَى مُسْلِمِي مَكَّةَ أَنْ يَلْتَحِقُوا بِأَبِي بَصِيرٍ بِالْعِيصِ، وَخَرَجُوا مُتَسَلَّلِينَ فُرَادَى فَالْتَحَقُوا بِهِ حَتَّى اجْتَمَعُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَخَذُوا يَسْتَوْلُونَ عَلَى قَوَافِلِ قُرَيْشٍ، يَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ وَيَقْتُلُونَ الرِّجَالَ؛ حَتَّى ضَاقَتْ قُرَيْضٌ بِهِمْ ذَرْعًا، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ الله أَنْ يَأْخُذَهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُمْ لَا حَاجَةَ لَهُمْ
356