Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٧السيرة النبوية.
وَسَعَادَةَ الْآخِرَةِ، فَكَانَ مَوْلِدُهُ رَحْمَةٌ هِذَا الْكَوْنِ بِأَمْرِهِ وَرَحْمَةٌ لِمَنْ فِيهِ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَلَمَا فِيهِ مِنَ الْكَائِنَاتِ، أَتَحَدَّثُ إِلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الْأُمْسِيَّةِ الطَّيِّبَةِ وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ حَدِينِي سَرْدًا قَصَصِيًّا حَوْلَ مَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم وَنَشْأَتِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ مَوْضُوعًا كَإِطَارٍ هَذَا الحدث النَّارِيخي العظيم، وَالحَدِيثُ سَيَكُونُ نِقَاشًا وَجَوَابًا لِسُؤَالِ ذِي أَهَمِّيَّةٍ بَالِغَةٍ فِي مَوْضُوعِ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ: لِمَاذَا كَانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ مُحَمَّدٌ مِنَ الْعَرَبِ؟ أَوْ مَاذَا اخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَخَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ أُمَّةِ الْعَرَبِ؟ فَهُنَا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَحْلِيَ الْحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَاللَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا يَتَطَرَّقُ الْعَبَثُ أَبَدًا إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ، فَالْعَبَيَّةُ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى، فَهُوَ الْحَكِيمُ فِي فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، لِذَلِكَ كَانَ لَا بُدَّ علينا أن نتعرَّفَ وَنَسْتَحْلِي الْحِكْمَةَ مِنِ اصْطِفَائِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مِنَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَا هِيَ الْعَوَامِلُ الَّتِي تَهَيَّأَتْ لِتَكُونَ إِطَارًا لِهَذَا الحَدَثِ الْعَظِيمِ الخَلِيلِ الَّذِي لَمْ تَعْرِفِ الْبَشَرِيَّةُ
مِثْلَهُ عَظَمَةٌ وَأَهَمِّيَّةٌ.
عَلَى أننا نُجْمِلُ تِلْكَ الْأَسْبَابَ وَالْأُطُرَ فِي عِدَّةِ عَوَامِلَ نَسْتَخْلِصُ مِنْهُ الْحِكْمَةَ
وَالْغَايَةَ الرَّبَّانِيَّةَ مِنَ اصْطِفَاءِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ:
الْعَامِلُ الْأَوَّلُ: جُغْرَافِيَّةُ الْمَكَانِ: ما لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْطَنُّونَ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي مَا زَالَتْ بِحُكم جُغْرَافِيَّتِهَا تَفَعُ فِي أَرْضِ تُحِيطُهَا الْحَضَارَاتُ الْعَظِيمَةُ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهَا، فَعَنْ شَمَاهَا قَامَتْ حَضَارَنَا الْفُرْسِ وَالرُّومِ، وَعَنْ يَمِينِهَا قَامَتْ حَضَارَنَا الصِّينِ وَالْهِنْدِ، فَهَذَا الموقع الجُغْرَافِيُّ الاِسْتِرَاتِيجِيُّ مَنَحَهَا الْوَسَطِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يَمْنَحَهَا لِسُكَانِهَا الْعَرَبِ الَّذِينَ