Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦السيرة النبوية.
ثُمَّ حَاصَرُوا حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ الَّذِي كَانَ تَخَزَنَ الْمُوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ لِلْيَهُودِ، وَمِنْهُ اسْتَفَادَ المُسْلِمُونَ المَوَادَّ الْغِذَائِيَّةَ الَّتِي أَصْلَحُوا بِهَا مِنْ شَأْنِهِمُ المعيشي هناك. وَهَكَذَا أَخَذَتِ المُعَارِكُ تَنتَقِلُ مِنْ حِصْنِ إِلَى حِصْنِ وَالحِصَارُ يَنتَقِلُ مِنْ حِصْنٍ إِلَى حِصْنِ، فَافْتَتَحَ المُسْلِمُونَ حِصْنَ النّطاةِ، وَحِصْنَ الشَّقِّ وَحِصْنَ الْكَتِيبَةِ وَحِصْنَ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ الَّذِي قَطَعَ المُسْلِمُونَ عَنْ أَهْلِهِ الماءَ، فَلَمَّا أَحَشُوا بِالْعَطَشِ اسْتَسْلَمُوا، وَكَانَ حِصْنًا عَصِيًّا؛ لِأَنَّهُ قَلْعَةٌ فِي مَوْضِعٍ مُرْتَفِع.
وَقَدْ تَجَمَّعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَهُودُ فِي حِصْنَيِ الوطيحِ وَالسَّلَامِ، فَحَاصَرَهُمُ المُسْلِمُونَ فِيهِمَا، فَلَها أَحَسُّوا بِالهَزِيمَةِ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَأَنْ يُسَيَّرَهُمْ عَلَى أَنْ يَتْرُكُوا لَهُ الْأَمْوَالَ، فَوَافَقَ، فَلَمَّا نَزَلُوا طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَبْقَوْا فِي خَيْبَرَ لِإِصْلَاحِ الْأَمْوَالِ مِنْ نَخْلٍ وَشَجَرٍ عَلَى النَّصْفِ فِي الثَّمَارِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَوَافَقَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى مَا أَرَادَ إِخْرَاجَهُمْ خَرَجُوا فَوَافَقُوا. وفي رأيي أنَّ النَّبِيِّ هُوَ الَّذِي أَرَادَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، لِعَدَم إِمْكَانِيَّةِ تَفَرُّعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْقِيَامِ بِسَفْيِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سُكْنَى عَدَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي
خَيْبَرَ الْأَمْرُ الَّذِي يَشْغَلُهُمْ عَنِ الْجِهَادِ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَاجَةٍ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ قُتِلَ فِي الْمُعَارِكِ تِلْكَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ، لَا سِيَّما قَادَتُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، كَمَا
اسْتُشْهِدَ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُرِحَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ.
366