السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤١

-السيرة النبوية.

فأَسْرَةُ النَّبِيِّ كَانَتْ أُسْرَةً كَرِيمَةَ المُحْتَدِ عَظِيمَةَ الْقَدْرِ جَلِيلَةٌ وَعَزِيزَةٌ، يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى بَنِي النَّضْرِ مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنَ النَّضْرِ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ"، إِذَنْ هِيَ فِعْلًا تَصْفِيَّةٌ نَسَبِيَّةٌ جَلِيلَةُ الْقَدْرِ عَظِيمَةٌ عَرِيقَةٌ لَمَا أَثَرُهَا فِي التَّنْويج النَّبوِيِّ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ كَانَ أَجْدَادُهُ سَادَةَ الْعَرَبِ وَسَادَةَ قُرَيْشٍ وَسَادَةَ مَكَّةَ، فَهَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ كَانَ سَيِّدَ الْعَرَبِ فِي عَهْدِهِ وَسَيِّدَ قَوْمِهِ، وَلا أَوْشَكَتْ بَنُو عُذْرَةً وَبَنُو خُزَاعَةً أَنْ تَتَقَاتَلَا فِي الْأَشْهُرِ الحُرُمِ وَقَدْ حَمَلَنَا السَّلَاحِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَقِيَّةِ الْقَبَائِلِ وَعَلَى قُرَيْشٍ بِالذَّاتِ ثُمَّ عَلَى هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ خُصُوصًا، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا بِخُطبَتِهِ المَشْهُورَةِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِالحَكِيمَةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الحِكَم وَابْتَدَأَهَا قَائِلًا: «نَحْنُ آل إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّةُ إِسْمَاعِيلَ وَوَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ». فَذَكَرَ نَسَبَهُ وَحَسَبَهُ ثُمَّ أَتَى بِتِلْكَ النَّصَائِحِ وَالْحِكَمِ، فَمَا أَنْ فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ حَتَّى أَلْقَتِ الْقَبِيلَتَانِ بِسِلَاحِهِمَا؛ لِمَا لَهُ مِنْ شَرَف وَسِيَادَةٍ بَيْنَهُمْ ولما كَانَ لَهُ مِنْ

نَسَبٍ وَكَرَم.

فَلَا شَكٍّ إِذَنْ أَنَّ عَامِلَ النَّسَبِ ضَرُورِيٌّ لِانْقِيَادِ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ عِنْدَمَا ذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ صُلح الحديبية وَقَبْلَ فَتح مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي بَعْضٍ تِجَارَتِهِ وَكَانَ فِي بُصْرَى اسْتَدْعَاهُ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّوم لِيَسْأَلَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ رِسَالَةٌ يَدْعُوهُ وَقَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ فِي حَسَبٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ؛ لأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُبْعَثُونَ مِنْ أَدْنَى النَّاسِ نَسَبًا وَإِنَّمَا يُبْعَثُونَ مِنْ عِلْيَةِ الْقَوْمِ وَمِنْ عُمْقِ

المُجْتَمَعَاتِ نَسَبًا وَشَرَفًا.

٣٩ / ٦٢٠