Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢السيرة النبوية.
الانسحاب حَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّايَةَ، فَهَجَمَ عَلَى جَمْعِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ وَتَقَهْقَرُوا، ثُمَّ انْحَازَ بِالنَّاسِ إِلَى مَكَانٍ هُنَاكَ، وَأَعَادَ تَرْتِيبَ جَيْشِهِ مُخَالِفًا بَيْنَهُمْ فِي مَوَاقِعِهِمْ، حَتَّى ظَنَّ الرُّومُ أَنَّ مَدَدًا كَبِيرًا جَاءَ إِلَى المُسْلِمِينَ، فَتَهَيَّبُوا مِنْ مُطَارَدَتِهِمْ، ثُمَّ انْسَحَبَ خَالِدٌ بِالجَيْشِ تَحتَ جُنْحِ الظُّلامِ (1) حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهَا تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، غَيْرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُعْجِبْهُمُ انْسِحَابُ خَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُعْرَكَةِ، وَجَعَلُوا يَحْنُونَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ هُمْ: يَا فُرارُ، قرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ الله، وَكَانَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ بِحِكْمَتِهِ المَعُهُودَةِ يُبَدِّلُهُمْ وَيَقُولُ: لَيْسُوا بِالْفُرارِ، وَلَكِنَّهُمْ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ الله.
وَظَلَّتِ تُهمَةُ الْفِرَارِ تُلَاحِقُهُمْ فِي المَدِينَةِ زَمَنًا غَيْرَ قَصِيرٍ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ
يَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ وَرَأَىهُ النَّاسُ عَيَّرُوهُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِامْرَأَةِ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَا لي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ الله وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَتْ لَهَا: وَالله مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النَّاسُ: يَا فَرارُ، قَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ الله.
(1) قَالَ اللَّوَاء مَحْمُودُ شيث خَطَّاب: إِنَّ قَادَةَ الْأَلْمانِ كَانُوا يَدْرُسُونَ خُطَّةَ انْسِحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهُمْ دِرَاسَاتٌ مُفَصَّلَةٌ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ، الرَّسُولُ الْقَائِدُ، ص 308.