Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٠٧السيرة النبوية. سَرِيَّةُ الخَبَطِ
بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجُرَّاحِ فِي ثَلَاثِيَانَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى بَعْضٍ أَحْيَاءِ قَبِيلَةِ جُهَيْئَةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ الْآخرِ بِمِنْطَقَةِ الْقَبْلِيَّةِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَيَنْبعَ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَجَبِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَفِي طَرِيقِهِمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَادِهِمْ شَيْءٌ غَيْرُ التَّمْرِ، ثُمَّ جَمَعَ أَبو عُبَيْدَةَ الْأَزْوَادَ كُلَّهَا، وَأَخَذَ يَقْسِمُ عَلَيْهِمُ السَّمْرَ، حَتَّى وَصَلَ الحَالُ بِهِمْ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَحْصُلُ عَلَى ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فِي الْيَوْم، ثُمَّ فَقَدُوهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى جُزْءٍ مِنَ التَّمْرَةِ، وَكَانَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَدٌ بَيْضَاءُ عَلَى الْجُيْشِ، وَهُوَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيم حَيْثُ لَقِيَ أَحَدًا لَدَيْهِ جُزُرٌ وَهُوَ يَعْرِفُ وَالِدَهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَأَخَذَ يَشْتَرِي مِنْهُ الْجُزُرَ عَلَى ذِمَّةِ وَالِدِهِ وَيَنْحَرُهَا لِلْجَيْشِ، حَتَّى نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَكَابِرُ مَنْ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَكْثَرَهُمْ عَيْبًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الصَّنِيعِ، ثُمَّ نَهَاهُ قَائِدُ الْجُيْشِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ، وَعِنْدَمَا صَارُوا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ إِذَا هُمْ بِحُوتٍ عَظِيمٍ كَالْجَبَلِ، فَأَكَلُوا وَدَهَنُوا مِنْهُ، وَأَقَامُوا عَلَى أَكْلِهِ أَيَّامًا عَدِيدَةٌ، وَحَمَلُوا بَعْضًا مِنْهُ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ الله لَكُمْ، وَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْهُ تَطْبِيبًا لِخَاطِرِهِمْ لَا لَقَوْا مِنَ الْمُعَانَاةِ وَالْجُوعِ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ سَرِيَّةَ الخَبْطِ؛ لأنهُمْ أَكَلُوا الخَبَطَ مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ، وَالخَبَطُ هُوَ وَرَقُ السَّمرِ، يُحبط ويُغسل ويُحفِّفُ، وَلَمْ يَلْقَوْا فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ كَيْدًا مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَعَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ
سالمين.