Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤١٤السيرة النبوية.
فَأَجَابَتْهُ قَائِلَةٌ مَا بَلَغَ هَذَا أَنْ تُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ الله وَقَوْلُهُا: وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ الله، صار قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ وَهِيَ
أنه لا جِوَارَ وَلَا أَمَانَ إِلَّا لِلْإِمَامِ (1).
كَما أَنَّ ابْنَتَهُ أَمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ لَمْ تُرَحُبْ بِهِ بِاعْتِبَارِهِ مُشْرِعًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ
فَعَادَ أَدْرَاجَهُ وَلَمْ يُحقِّقُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَأَخَذَ المُسْلِمُونَ فِي التَّجهيز والاسْتِعْدَادِ لِلسَّفَرِ إلى مَكَّةَ، بِأَخْذِ أَسْلِحَتِهِمْ وَإِعْدَادِ أَزْوَادِهِمْ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَاسَ بِتَوَجُهِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ إِنَّمَا هُوَ لحرب قُرَيْشٍ كَانَ يُخَالِجُ الْكَثِير مِنَ المُسْلِمِينَ، لِذَلِكَ أَخَذَتِ الْعَاطِفَةُ مَأْخَذَهَا مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي
(1) الْحِوَارُ هُنَا بِمَعْنَى الْعَهْدِ وَالْأَمَانِ وَالإِنْقَادِ، وَقَدْ نُوقِشَتْ هَذِهِ المُسْأَلَةُ إِبَاضِيَّا، عِنْدَمَا أَجَارَ أَبو الْوَضَّاحِ، وَهُوَ وَالِي الْإِمَامِ الْجُلَنْدَى بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى إِبْرَى الْمَدِينَةِ الْعُمانِيَّةِ المُشْهُورَةِ فِي الْمِنْطَقَةِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي هِيَ الآنَ مَقَرٌّ مُحَافَظَةِ شَمَالِ الشَّرْقِيَّةِ حَسَبَ التَّقْسِيمِ الْإِدَارِيِّ، فَقَدْ أَجَارَ الْوَالِي أُنَاسًا كَانَ الْإِمَامُ الجُلَنْدَى قَدْ أَهْدَرَ دِمَاءَهُمْ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا جِوَارَ هُمْ عِنْدِي، وَلاَ أَمَانَ دُونَ الْإِمَامِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَقُتِلُوا فِي بَهِلاَ بِالْمِنْطَقَةِ الدَّاخِلِيَّةِ مِنْ عُمَانَ، وَقَدْ أَثَارَ ذَلِكَ جَدَلاً فِقْهِيَّا حَتَّى رُفِعَ الْمَوْضُوعُ إِلَى إِمَامٍ المذهَبِ وَمَرْجِعِهِ آنَذَاكَ أَبِي عُبَيْدَةَ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مَشَائِحِ الْمُذْهَبِ فِي الْبَصْرَةِ، فَكَانَ جَوَابُهُمْ أَنَّهُ لَا أَمَانَ إِلَّا لِلْإِمَامِ، عَلَى أَنَّهُ فِي المُقَابِلِ يُوجَدُ هُنَالِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمْضَى حِوَارَ أُمَّ هَانِي أَثْنَاءَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا جَاءَ عَنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.
وَلَعَلَّهُ يُسْتَخْلَصُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ ذلِكَ فِيمَا لَمْ يَسْبِقُ فِيهِ حُكْمُ مِنَ الْإِمَامِ، أَمَّا مَنْ سَبَقَ فِيهِ حُكْمٌ مِنَ الْإِمَامِ فَلَا جَوَارَ لَهُ وَلا أَمَانَ إِلَّا إِذَا أَمْضَاهُ الْإِمَامُ، وَذَلِكَ أَدْعَى لِاسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ.
414