Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٣السيرة النبوية.
مُقِرًّا لِهَذِهِ السُّلُوكَاتِ، وَمُهَذِّبًا لِشَيْءٍ مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّعَدِّي الَّذِي يَشُوبُ بَعْضًا مِنْهَا،
وَهَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا لِلْعَرَبِ مِنْ أَخْلَاقٍ فَاضِلَةٍ وَقِيَمٍ نَبِيلَةٍ.
فَمِنْ أَخْلَاقِهِمُ النُّصْرِةُ وَالْأَمَانَةُ وَالْوَفَاء وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ وَالْإِيثَارُ وَإِغَاثَةُ المُلْهُوفِ وَفَكُ الْأَسِيرِ وَنُصْرَةُ المُمَظْلُومِ وَالاهْتِمَامُ بِالجَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُفْرَدَاتِ النُّبْلِ الاجْتِمَاعِي فِي أَرْقَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الحَيَاةُ الإجتماعية.
وَفِي الحَقِيقَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ مَا هِيَ إِلَّا بَقِيَّةٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ كَالْخِتَانِ
مَثَلًا الَّذِي هُوَ أَحَدُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ الْعَشْرِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيُّ.
وَمِنْ بَقَايَا دِينِ إِبْرَاهِيمَ حِفْظُ الجَوَارِ الَّذِي كَانَ الْعَرَبُ حَرِيصِينَ عَلَيْهِ غَايَةَ الْحِرْصِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ مُشَدَّدًا بِالْأَخْذِ بِهِ وَتَطْبِيقِهِ؛ لِأَنَّ جَارَ السَّوْءِ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ، وَقَد كَانَ النَّبِيُّ عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْتَعِيذُ بِالله مِنْ جَارِ إِذَا رَأَى حَسَنَةٌ أَخْفَاهَا، وَإِذَا رَأَى سَيِّئَةٌ أَبْدَاهَا؛ لِأَنَّ الْجَارَ هُوَ عَيْنُ الْإِنْسَانِ، فَلِذَلِكَ قَالُوا في المثلِ الْعَرَبِيِّ: «الْجَارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَمِنَ الْقَصَصِ الْجُمِيلَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ عِنَايَةِ الْعَرَبِ بِحِفْظِ الجَارِ أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى مُدْلِجَ بنَ سُوَيْدٍ الطَّائِيَّ، كَانَ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ فِي فِنَاءِ دَارِهِ، فَرَأَى أَنَاسًا مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ فَسَأَهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا جِئْنَا خَارِكَ، قَالَ: وَمن جَارِي؟ قَالُوا: الجُرَادُ، وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ - لِأَنَّ الجُرَادَ انْتَقَلَ إِلَى فِنَاءِ دَارِهِ - فَامْتَطَى فَرَسَهُ وَامْتَشَقَ سَيْفَهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَقَدْ سَمَّيْتُمُوهُ جَارِي فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْحَلَ الْجَرَادُ عَنْ جِوَارِي.
43