Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٤السيرة النبوية.
قَدْ يَسْتَهْجِنُ الْمُسْتَمِعُ أَوِ الْقَارِئُ فِي الْوَهْلَةِ الْأُولَى هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ الرَّجُلِ الْعَرَبِي، وَلَكِنَّنَا نَجِدُ عِنْدَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ عَائِدٌ إِلَى تَخْزُونٍ جَيْدِ مِنَ الْعَادَاتِ وَالْأَخْلَاقِ الحَمِيدَةِ ثم حَتَّ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ بِمَجِينِهِ وَشَدَّدَ عَلَيْهَا، فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ حَمَاسٌ فِي حِفْظِ جِوَارِ جَرَادٍ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَفْدِي بِحَيَاتِهِ حِفْظُ جِوَارِ أَخِيهِ الْإِنْسَانِ، فَالْقِصَّةُ لَيْسَتْ بَسِيطَةٌ أَمَامَ التَّكْوِينِ وأمَامَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الدَّقِيقِ، فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى انْغِرَاسِ الْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي المُجْتَمَعِ الْعَرَبِيُّ وَفِي ذَلِكَ الرَّجُلِ الْعَرَبِ. وَمِنْ عَادَاتِ الْعَرَبِ الصِّدْقُ الَّذِي كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يُضَحِّي بِحَيَاتِهِ فِي سَبِيلِ أَلَّا يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ كَذِبٍ، وَقَد حَتْ الْإِسْلَامُ عَلَى الصِّدْقِ إِذْ سُئِلَ النَّبِيُّ: أَيكُونُ المُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: "لَا".
فَلَرُبَّما أَمْكَنَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَضْنَ بِمَالِهِ حِينَ يَرَى مَوْقِفًا يَحْتَاجُ إِلَى تَضْحِيَةٍ مَالِيَّةٍ لِبُخْلِهِ وَضَعْفٍ فِي نَفْسِهِ؛ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ كَذَّابًا فِي أَيِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ فِيهِ تَغْبِيرُ لِلْحَقَائِقِ وَفِيهِ تَشْوِيضٌ لِصَفَاءِ الحَيَاةِ، وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ حَانَّةٌ عَلَى الصِّدْقِ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّدِقِينَ به وَمِنْهُ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبوِيَّةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، يَقُولُ: "إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ".
44