Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٥- السيرة النبوية.
وَمِنْ عَادَاتِهِمُ الْحَمِيدَةِ الْوَفَاءُ، وَهُوَ خُلُقٌ كَرِيمٌ بَدَلَتْ فِيهِ الْعَرَبُ مُهَجَهَا مِنْ أَجْلِ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَتَنَازَلْ عَنْهُ حَتَّى فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ، وَحَرْبُ ذِي قَارٍ خَيْرٌ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَ كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ وَأَحَدٍ زُعَمَاءِ الْعَرَبِ، وَهُوَ هَانِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيُّ الَّذِي حَفِظَ أَمَانَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ الَّتِي تَرَكَهَا عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ كِسْرَى، فَأَخَذَ كِسْرَى يَطْلُبُهَا مِنَ الشَّيْبَانِيِّ فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَّا لِوَرَثَةِ النُّعْمَانِ حِفْظًا هِذَا الخُلُقِ الْعَظيمِ، فَاشْتَعَلَتِ الْحَرْبُ غَيْرَ المُتكَافِئَةِ عُدَّةٌ وَعَتَادًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَدِ الْتَفَّ الْعَرَبُ حَوْلَ الشَّيْبَانِي نَجْدَةٌ لَهُ، وَقَدْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَنتَصِرَ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْفُرْسِ فِي ذِي قَارِ الْمُعْرَكَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ: ذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ انْتَصَفَتْ فِيهِ الْعَرَبُ
مِنَ الْعَجَمِ".
وَالْوَفَاءُ خُلُق عَظِيمٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَخْلَاقُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَهُوَ سُلُولٌ نَبِيلٌ، وَهَذَا السُّلُوكُ الاِجْتِمَاعِيُّ الْكَرِيمُ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحَضَارَاتُ، فَالحَضَارَاتُ لَا تَقُومُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ وَالمُبَادِي الْحَضَارَاتُ تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ مِنَ الصِّدْقِ والْإِخْلَاصِ وَالتَّفَانِي فِي التَّضْحِيَةِ وَالْوَفَاءِ، وَهِيَ مَكَارِمُ لَا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ بِهَا كُلُّ حَضَارَةٍ تُرِيدُ لِكِيَّانِهَا أَنْ يَقُومَ وَيَسْتَمِرٌ وَيَزْدَهِرَ.
وَرُبَّما عَجِبَ الْكَثِيرُ مَا يُلَا حَظُونَهُ فِي المُجْتَمَعَاتِ الْغَرْبِيَّةِ مِنَ انْضِبَاطِ فِي الْمُبَادِي الْأَخْلَاقِيَّةِ حَيْثُ يَرَوْهُمْ مُنْضَبِطِينَ فِي مَوَاعِيدِهِمْ وَصَادِقِينَ فِي الْتِزَامِهِمْ وَجَادِّينَ فِي
أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُرْجِعُون ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْغَرْبَ أَخَذَ تِلْكَ الْمُبَادِئَ مِنَ الْإِسْلَامِ.