Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٦السيرة النبوية.
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْحَضَارَةَ الْغَرْبِيَّةَ حَضَارَةُ مُتَعَدِّدَةُ الْجَوَانِبِ، وَالْجَانِبُ الاِجْتِمَاعِيُّ هُوَ أَحَدٌ جَوَانِبِهَا وَرَكَائِزِهَا الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا، بَلْ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ جَوَانِبِهَا وَأُسسِهَا، فَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَلَا مِنَ السُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ شَيْئًا قَطُّ، وَلَكِنَّهَا الْحَاجَةُ المُلِيَّةُ إِلَى مِثْل هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تُسَيِّرُ الْمُجْتَمَعَاتِ في سَيْرِهَا السَّلِيم، وَقَدْ فَاتَ المُحَلَّلِينَ هذا الموضوع تِلْكَ الْحَاجَةُ وَهِيَ أَنَّ الْغَرْبَ فِي عُصُورِهِ المُتَأَخْرَةِ قَدْ تَخَلَّى عَنِ الْمُلَوِّنَاتِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً لَدَى شُعُوبِهِ وَرَجَعَ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي خَلَقَ اللهُ عَلَيْهَا الْإِنسَانِ، لِذَا نَجِدُ الْإِسْلَامَ رَكَّزَ عَلَى هَذِهِ الْبَادِئِ لِأَنَّهَا دِينُ الْفِطْرَةِ: الله فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا يُبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيْمُ) (فَالدِّينُ مِنْ هَذِهِ الْفِطْرَةِ وَهُوَ مُكَمِّلُ لَهَا، وَقَد قَالَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَإِنَّا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ"، إذَنْ فَكُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَنْسَجِمُ مَعَ الْإِسْلَام وَتَتَقَبَّلُهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَرِضُ هَذِهِ الْفِطْرَةَ أَبَوَانِ غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ كَأَنْ يَكُونَا يَهُودِيَّيْنِ أَوْ نَصْرَانِييْنِ أَوْ تَجُوسِينِ.
فَالْغَرْبُ عِنْدَمَا تَخَلَّى عَنِ الْمُلَوَّثَاتِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ وَرَجَعَ إِلَى الْفِطْرَةِ وَأَخَذَ بِهَذِهِ المُبَادِئِ وَالسُّلُوكِ الْقَوِيمِ تَكَوَّنَتْ لَدَيْهِ حَضَارَتُهُ الْعَظِيمَةُ عَلَى تِلْكَ الْمُبَادِئِ الْفِطْرِيَّةِ السَّلِيمَةِ، فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ قَضِيَّةَ أَنَّ الْغَربيين أَخَذُوا مَبَادِئَ الْإِسْلَام أَوْ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ