السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٧

السيرة النبوية.

الَّذِي أَثَرَ فِيهِمْ، إِنَّمَا الْقَضِيَّةُ أَنَّ إِسْلَامَنَا دِينُ جَاءَ مُنْسَجِما مَعَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَعِنْدَمَا تَمَسَّكَ الْعَرَبُ وَالمُسْلِمُونَ بِدِينِهِمْ وَإِسْلَامِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ تَكَوَّنَتْ لَدَيْهِمْ حَضَارَةٌ عَظِيمَةٌ رَائِعَةٌ غَطَّتْ مِسَاحَةً كَبِيرَةً مِنَ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَعَاشَ النَّاسُ خِلَالَهَا سُعَدَاءَ، يَقُولُ غوستاف لوبون وَهُوَ فَيْلَسُوفٌ فَرَنْسِيٌّ لَهُ كِتَابُ: (حَضَارَةُ الْعَرَبِ): «مَا عَرَفَ الْعَالَمُ فَاتِحَا أَعْدَلَ وَلَا أَرْحَمَ مِنَ الْعَرَبِ هَذِهِ شَهَادَةٌ مِنْ أَحَدِ مُفَكِّرِي الْغَرْبِ وَمِنْ وَسَطِ عَاصِمَةِ الْفِكْرِ الْغَرْبِيُّ فَرَنْسَا.

فَالْعَرَبُ عِنْدَمَا اعْتَقَدُوا بِهَذِهِ الْمُبَادِي وَصَارَتْ عَادَاتٍ عِنْدَ مُجْتَمَعَاتِهِمْ وَتَوَارَثُوهَا ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ حَانًا وَحَرِيصًا عَلَيْهَا ازْدَادَ تَمَسُّكُهُمْ وَتَعَلَّقُهُمْ بِهَا حَتَّى سَادُوا الْعَالَمَ وَفَاقُوا كُلَّ الْحَضَارَاتِ، وَاسْتَطَاعُوا أَنْ يُعْطُوا لِلْعَالَمِ نَمُوذَجًا لِحَضَارَةِ رَائِعَةٍ فِي جَمِيعِ مَوَاقِفِهَا وَجَميع تَوَجُهَاتِهَا، ثُمَّ اسْتَفَادَ الْغَرْبُ عَنْ طَرِيقِهِمْ مِنْ تِلْكَ المُكَوِّنَاتِ

الْحَضَارِيَّة.

وَمَا نُشَاهِدُ مِنْ حَضَارَةِ لِلْغَرْبِ الْيَوْمَ ذَلِكَ ما هَوَ إِلَّا بِالْتِزَامِهِ بِتِلْكَ الْمُبَادِي فِي وَقْتٍ تَخَلَّفَ فِيهِ الْعَرَبُ وَالْمُسْلِمُونَ عَنْ هَذِهِ الْمُبَادِي الْحَضَارِيَّةِ المُتَكَوِّنَةِ مِنْ هَذِهِ المُفْرَدَاتِ السُّلُوكِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي حَبَّهُمْ عَلَيْهَا دِينُهُمْ.

ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ هِيَ الَّتِي جَعَلَتِ الْعَرَبَ يُقْبِلُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَحْمِلُونَ فِكْرَهُ بِكُلِّ إِخْلَاص؛ لأَنها كَانَتْ مِنْ عَادَاتٍ كَانُوا يَأْلَفُونَهَا وَيُهَذِّبُونَ بِهَا أَبْنَاءَهُمْ، فَمَا كَانَ هُمْ أَنْ يَتَخَلَّوْا أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهَا أَبَدًا.

٤٥ / ٦٢٠