Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٨السيرة النبوية
الْعَامِلُ الرَّابِعُ: سَلَامَةُ الْفِطْرَةِ
وَمِنْهُ صِحَّةُ الْقَرِيحَةِ، فَقَدْ عَاشَ الْعَرَبُ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي جَوِّ مَفْتُوحٍ وَفِي جَو بَعِيدٍ عَنِ المُلَوَّثَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَبَعِيدٍ عَنِ التَّبَعِيَّةِ وَالخُضُوع الزَّائِدِ فِي التَّعَامُلِ الْبَشَرِيُّ، فَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ صِحَّةُ فَرِيحَتِهِمْ، وَكَانُوا حَرِيصِينَ عَلَى سَلَامَةِ الْفَرِيحَةِ الَّتِي كَانُوا يَمْتَلِكُونَهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ فِي الْإِمْرَاطُورِيَّةِ الرُّومِيَّةِ أَوِ الْفَارِسِيَّةِ أَوِ الْهِنْدِيَّةِ أَوِ الصَّينِيَّةِ يَخْضَعُ لِأَنْظِمَةٍ وَقَوَانِينَ اجْتِمَاعِيَّةٍ قَاسِيَةٍ، فَالتَّعَامُلُ عِنْدَهُمْ قَائِمٌ عَلَى الطَّبَقِيَّةِ، فَكَانَ الْعَرَب يَأْنفُ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ السَّلوكِ. ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَدَيْهِمْ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالمُبَادِي مَا يَجْعَلُهُمْ لَا يَتَقَبَّلُونَ أَفْكَارًا أُخْرَى جَدِيدَةٌ، صَحِيحٌ أَنَّهُمْ تَأَثَرُوا بِبَعْضِ الْأَفْكَارِ الْوَثَنِيَّةِ الْبَسِيطَةِ كَأَنْ يَعْبُدُوا صَنَما أَوْ يَذْهَبُوا إِلَى شَجَرَةٍ، وَلَكِنَّهَا عَمَلِيَّاتٌ بَسِيطَةٌ سُرْعَانَ مَا تَزُولُ، ذَاكَ صَنَمٌ مِنْ تَمرٍ يَعْبُدُهُ الْعَرَبِيُّ الْبَسِيطُ ثُمَّ إِذَا جَاعَ أَكَلَهُ، وَتِلْكَ شَجَرَةٌ يَتَوَسَّلُ بِهَا فَإِنِ احْتَاجَهَا قَطَعَهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَأَثَّرَ وَيَتَعَلَّقَ بِفَلْسَفَاتٍ وَأَفْكَارٍ وَمَعَارِفَ، فَذَلِكَ مِنَ البُعْدِ بِمَكَانِ وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا النَّمَطِ الْعَامُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ الْقَلِيلِينَ الَّذِينَ لَا يُعَوَّلُ عَلَى تَأَثْرِهِمْ، فَهُمْ لَا يَحْمِلُونَ دِينًا وَلَا يُقِيمُونَ كِيَانًا فِكْرِيًّا.
هَذَا وَلَوْ تَأَمَّلْنَا الْفَرْدَ فِي الْحَضَارَاتِ المُحِيطَةِ بِالجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ آنَذَاكَ لَوَجَدْنَا أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ مِنْ تِلْكَ الحَضَارَاتِ لَهُ فَلْسَفَتُهُ وَدَسَاتِيرُهُ وَقَوَانِينُهُ، وَهُوَ يَخْضَعُ لِنظَامٍ بَشَرِيٌّ طَبَقِيٌّ وَلِنِظَامٍ فِكْرِيٌّ، أَمَّا الْعَرَبِيُّ فَهُوَ عَلَى صَهْوَةِ جَوَادِهِ وَجَمَلِهِ يَنْتَقِلُ بِخَيْمَتِهِ
48