السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٩

السيرة النبوية.

مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَهُوَ يَرَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ دَوْلَةٌ مُسْتَقِلَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْكُمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، صَحِيحٌ أَنَّ الْفَرْدَ الْعَرَبِيَّ غَالِبًا مَا كَانَ يَخْضَعُ لِقَبِيلَةٍ يَنْتَمِي إِلَيْهَا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ الْخُضُوعَ الْقَائِمَ عَلَى قَوَانِينَ وَدَسَاتِيرَ، وَإِنَّمَا كَانَ خُضُوعًا تَقْلِيدِيَّا مِنْ بَابِ مُنَاصَرَةِ الْقَبِيلَةِ المُنتمِي إِلَيْهَا فِي مُوَاجَهَةِ الْقَبَائِلِ الْأُخْرَى، فَالْعَرَبِيُّ كَانَ بَسِيطًا فِي تَعَامُلِهِ وَسُلُوكِهِ وَبَسِيطًا فِي تَوَجُهِهِ التَّعَبدِي. وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ مُرْتَبِطَةٌ بِعِبَادَةِ النُّجُومِ إِلَّا قَبِيلَةَ خُزَاعَةَ فَقَطِ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُ نَجْمَا اسْمُهُ الشِّعْرَى الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ حَاكِبًا عَنْهُ: {وَأَنَّهُ هُوَرَبُّ الشِعْرَى وَجَاءَ

ذِكْرُهُ لِأَنَّ خُزَاعَةَ هِيَ القَبَيلَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْبُدُ النُّجُومَ لَا سِيَّمَا هَذَا النَّجْمُ. وَكَانَ الْعَرَبُ مِنْ جَانِبِهِمْ حَرِيصِينَ عَلَى نَمَاءِ وَصَفَاءِ تِلْكَ الْقَرِيحَةِ وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا مُنْذُ النَّشْأَةِ الْأُولَى لِلْأَبْنَاءِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أُمَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَّهُ بَعَثَاهُ إِلَى بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ لِيَسْتَرْضِعَ فِيهَا، نَعَمْ كَانَتْ لَدَى الْعَرَبِ بَعْضُ الْبُيُوتِ المُتحَضْرَةِ المُسْتَقِرةِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَتِلْكَ الحَضَارَةِ الَّتِي عِنْدَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ، بَلْ كَانَ الْأَشْرَافِ مِنَ الْعَرَبِ يُفَضِّلُونَ أَنْ يُرْسِلُوا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى الْبَوَادِي لِيَتَرَبَّوْا عَلَى خُشُونَةِ الْحَيَاةِ وَشَطَفِ الْعَيْشِ، وَلِيَعِيشُوا فِي الْفَضَاءِ الْوَاسِعَ حَيْثُ تَسْبَحُ أَبْصَارُهُمْ فِيهِ وَتَنَسَّمُ أَرْوَاحُهُمْ فِيهِ نَسِيمَ الحُرِّيَّةِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَمِنْ هَذَا المُنطَلَقِ جَاءَ إِرْسَالُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْبَادِيَةِ، فَكَانَ مِنْ نَصِيبٍ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُويْبِ السَّعْدِيَّةِ الَّتِي أَخَذَتْهُ وَأَرْضَعَتْهُ فِي بَنِي سَعْدِ، وَهُنَاكَ اكْتَسَبَ قُوَّةَ الجِسْمِ وَالْفِكْرِ وَاكْتَسَبَ أُمُورًا عَدِيدَةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ

49

٤٧ / ٦٢٠