Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٠السيرة النبوية.
لأَصْحَابِهِ: "أَنَا أَعْرَبُكُمْ لِأَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ وَاسْتَرْضَعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ، فَقَوْلُهُ: أَنَا
أَعْرَبُكُمْ أَي أَكْثَرُكُمْ عُمْقًا فِي الْعُرُوبَةِ الْعَرَبِيَّةِ).
فَالتَّرْبِيَةُ فِي الْفَضَاءِ الْوَاسِع عَامِلٌ مِنْ عَوَامِلِ تَنْمِيَةِ الْفَرِيحَةِ وَالتَّكْوِينِ الْجِسْمِي وَالنُّضْحِ الْعَقِي عِنْدَ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ حَقِيقَةٌ فَكَيْفَ بِالْأَبْنَاءِ الَّذِينَ يَتَرَبَّوْنَ فِي الشُّقَقِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تَحْوِي الْغُرَفَ وَالحَمامَ وَالمُطْبَخَ فِي مِسَاحَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ مِائَةَ مِثْرٍ مُرَبَّع يَقْضِي فِيهَا الطِّفلُ السَّاعَاتِ الطَّوَالَ، فَكَيْفَ يَنْشَأُ وَيَتَكَوَّنُ جِسْمُهُ وَعَقْلُهُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ تَفْكِيرُهُ وَعِلْمُهُ؟ وَكَيْفَ تَنْشَأْ مُكَوِّنَاتُهُ النَّفْسِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ؟ لَا شَكٍّ أَنَّهَا
سَتَكُونُ ضَئِيلَةٌ جِدًّا كَضَالَةِ حَجْمِ الْمَسَاحَةِ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا.
وَقَدِ اعْتَادَتِ النِّسَاءُ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَلَّا يُرْسِلُنَ أَوْلَادَهُنَّ إِلَى الْبَادِيَةِ، وَهُنَّ لَا يَرْضَيْنَ أَنْ يُسْتَرْضَعَ أَطْفَاهُنَّ عِنْدَ امْرَأَةٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الْبَادِيَةِ، فَلِهَذَا نَجِدُ الْفَرْقَ وَاضِحًا بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ نَشَأُوا فِي الْبَادِيَةِ فَجَاءُوا فِعْلًا عَلَى غَايَةٍ مِنَ الصِّحَّةِ وَصَفَاءِ الْقَرِيحَةِ
مكنتتُهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَالْعُلُومِ مَا كَانَ هُمْ أَنْ يَعْلَمُوهَا لَوْلَا ذَلِكَ. فَالْعَرَبُ يَعْرِفُونَ مِنَ الْأَنْسَابِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَعَلَّمُوا النُّجُومَ
بِالسَّمَاءِ وَقُوَّةِ الذَّاكِرَةِ وَسَلَامَةِ الْحَافِظَةِ وَعَرَفُوا أَمَاكِنَهَا، وَعَلَمَتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يهتدون حَيْثُ كَانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ فِي مَعْرِفَةِ الْجَاهَاتِ الْأَرْضِ وَالطُّرُقِ وَأَمَاكِنِ الْبِلادِ، كَمَا عَرَفُوا بِهَا فُصُولَ نُزُولِ المَطَرِ، فَلِكُلِّ فَضْلٍ وَمَوْسِمٍ نَجْمٌ أَوْ كَوْكَبٌ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَيَدُهُمْ ظُهُورُهُ فِي مَنَازِلَ مُعَيَّنَةٍ عَلَى فُصُولِ وَمَوَاسِمِ مَعْرُوفَةٍ لِدَيْهِمْ، كَمَا عَرَفُوا