السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٢٤

السيرة النبوية.

لِذَلِكَ تُعتبرُ النُّبُوَّةُ الخَاتِمَةُ مُنْعَطَفًا مُهِما وَمَعْلَما بَارِزًا فِي تَارِيخ الْإِنْسَانِيَّةِ عَلَى أَنَّ مِنْ حَسَنِ الْقَوْلِ وَطَيِّبِ الْكَلَامِ أَنْ نَذْكُرَ وَنُشِيرَ إِلَى أَنَّ مِنْ سِمَاتِ النُّبُوَّةِ الْخَالِدَةِ وَمِنْ سمَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الرَّحْمَةَ، أَوْ دَعْنَا نَقُولُ إِنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ الْعُنْصُرُ المهم مِنْ عَنَاصِرِ النُّبُوَّةِ أَوِ المحورِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، بِجَانِبِ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ هِدَايَةٍ لِلْعَالَمِينَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء: 107، وَقَدْ أُرْسِلَ الرَّسُولُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ خَالِدَةٌ فِي سَمْعِ الزَّمَنِ فَكَانَتِ الرُّقْيَةُ الشَّافِيَةُ لَحْيِ الْقَسْوَةِ وَالْوَحْشِيَّةِ وَالاِسْتِعْبَادِ عِنْدَمَا قَالَ: " إِنَّمَا أَنَا الرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ".

وَتِلْكَ فِطْرَةٌ فَطَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهَا، وَيَرَى بَعْضُ عُلَماءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الْعَوَامِلِ قَدْ أَثَرَتْ فِي الرَّسُولِ وَجَعَلَتْ مِنْهُ رَجُلًا رَحِيمًا، أَوْ هَيَّأَتُهُ لِزِيَادَةِ الرَّحْمَةِ،

بِجَانِبِ مَا فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ وَعَطْفٍ وَحَنَانٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الْغَزَائِيُّ فِي كِتَابِهِ "فِقْهُ السِّيرَةِ": «إِلَّا أَنَّ الْأَسَى كَانَ يَغْزُو قَلْبَ الْوَالِد الجليل وَهُوَ يُودِعُ أَبْنَاءَهُ الثَّرَى، فَيُجَدِّدُ التَّكْلُ مَا رَسَبَ فِي أَعْمَاقِهِ مِنْ آلَامِ الْيُثْمِ، إِنْ غُصْنَهُ تَشَبَّتَ بِالحَيَاةِ فَاسْتَطَاعَ الْبَقَاءَ وَالنَّاءَ بِرَغْم فُقْدَانِهِ أَبَوَيْهِ، وَمَا هُوَ ذَا يَرَى أَغْصَانَهُ المُنبيقَةَ عَنْهُ تَذْوِي مَعَ رَغْبَتِهِ الْعَمِيقَةِ، وَرَغْبَةٍ شَرِيكَةِ حَيَاتِهِ فِي أَنْ يَرَيَاهَا مُزْهِرَةً مُنْمِرَةٌ، وَكَأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّقَّةَ الحَزِينَةَ جُزْءً مِنْ كِيَانِهِ، فَإِنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ يَسُوسُونَ الشُّعُوب لا تَجْنَحُونَ إِلَى الْجُبَرُوتِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ نُفُوسُهُمْ قَدْ طُبِعَتْ عَلَى

524

٥٠٨ / ٦٢٠