Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٤السيرة النبوية.
الْعَامِلُ الْخَامِسُ: خُشُونَةُ الْحَيَاةِ
الجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِطَبِيعَتِهَا وَمَوْقِعِهَا هِيَ صَحْرَاهُ فَاحِلَةٌ، فَالْحَيَاةُ فِيهَا تَحْتَاجُ إِلَى خُشُونَةٍ وَجَلَدٍ وَقُوَّةِ تحمل، وَالتَّعَوُّدُ عَلَى الخُشُونَةِ يَجْعَلُ مِنَ الْإِنْسَانِ المُعَابِدِ لَشَاءَهَا إِنْسَانًا شَدِيدًا قَوِيَّ التَّحَمُلِ، وَتُخْبِرُهُ عَلَى أَنْ يُضَحِيَ بِالْغَالِي وَالنَّفِيسِ مِنْ أَجْلِ الحُصُولِ عَلَى مَا يَصْبُو إِلَيْهِ، فَالْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ لَمْ تَكُنْ بِهَا أَشْجَارٌ وَأَنْهَارٌ وَظِلَالٌ، بَلْ أَرْضُ مُجْدِبَةٌ وَسَمَاءُ شَحِيحَةٌ وَكَلَا قَلِيلٌ حَسْبُهُمْ مِنْهُ أَنْ يَسُدَّ قُوَّتَهُمْ وَقُوتَ أَنْعَامِهِمْ، مَا عَدَا بَعْضَ وَاحَاتِ النَّخِيلِ المُتَفَرِّقَةِ فِي عُمَانَ وَالْيَمَنِ وَنَجْدٍ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ هَذِهِ الْوَاحَاتُ لَا تُعَدُّ شَيْئًا أَمَامَ الْهِلَالِ الْخَصِيبِ وَبِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَشَرْقِ جَنُوبِ آسْيَا، فَلِهَذَا لَمْ تَكُنِ الحَيَاةُ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَالحَيَاةِ فِي تِلْكَ المَناطِقِ الْخَصِيبَةِ، فَالْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ أَجْرَتْ عَلَى قَاطِنِيهَا حَيَاةً عَمَلُوءَةَ بِالشَّطَفِ وَالخُشُونَةِ، وَقَدْ نَسَجَتْ تِلْكَ الحَيَاةُ النَّاسَ بِخُيُوطِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ فَجَاءَتْ أَجْسَامُهُمْ ظَاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ كَقُوَّةِ الْأَرْضِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا وَأَجْسَامًا مُتكَيْفَةٌ مُتَحَمِّلَةٌ لِتَقَلُّبَاتِ الْحَيَاةِ وَتَطَوُّرَاتِهَا، صَابِرَةٌ عَلَى مَرَارَةِ الْعَيْشِ وَخُشُونَتِهِ، وَهَكَذَا هُوَ الْجِسْمُ الْبَشَرِيُّ إِنْ تَعَرَّضَ لِلْخُشُونَةِ وَالشِّدَّةِ وَتَقَلُّبِ الطَّبِيعَةِ المتوالي يَكُنْ أَقْدَرَ عَلَى تَحمل أَعْبَاءِ الْحَيَاةِ، أَمَّا الجِسْمُ الَّذِي يَتَقَلَّبُ فِي دَعَةِ الْعَيْشِ وَالنَّعِيمِ وَبُرُودَةِ الْحَيَاةِ وَرَاحَةِ الْبَالِ فَإِنَّهُ يَنْبُتُ نَبَاتَ الشَّجَرَةِ الْإِقْلِيمِيَّةِ الَّتِي لَا تَحْيَى إِلَّا فِي الْأَرْضِ الَّتِي انتجتهَا فِيهَا أُمُّهَا، وَيُقَاسُ فِي هَذَا الصَّدَدِ الْعَقْلُ فِي الْحِسْمِ، فَالْحِسْمُ