السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٥

السيرة النبوية.

الْقَوِيُّ المُرِنُ المُتكَيف يَظْهَرُ عَنْهُ عَقَلَ قَوِيٌّ مَرِنٌ مُتَكَيِّفٌ وَسَلِيمٌ، وَكَمَا يُقَالُ فِي الْحِكْمَةِ:

الْعَقْلُ السَّلِيمُ فِي الجِسْمِ السَّلِيمِ).

فَالْحِسْمُ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِعَوَامِلِ الطَّبِيعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ أَقْدَرُ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ أَحْدَاثِ الْحَيَاةِ وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِهَا مِنَ الْجِسْمِ الَّذِي لَمْ يَتَعَوَّدْ عَلَى تَقَلُّبِ الْعَوَامِلِ الطَّبِيعِيَّةِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا، فَتِلْكَ الْخُشُونَةُ المُتَحَدِّيَةُ جَعَلَتْ مِنَ الْعَرَبِ أُمَّةٌ مُكَابِدَةٌ لِلْأَهْوَالِ وَالتَّحَدِّيَاتِ الَّتِي وَاجَهَتْهَا فِي مَسِيرِهَا لِتَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ فِي أَصْقَاعِ الْأَرْضِ بَعْدَ ذَلِكَ.

هَذَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ مَيْزَةَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي خُشُونَةِ الْحَيَاةِ وَشَطَفِ الْمُعِيشَةِ وَبَسَاطَتِهَا أَنَّهُمْ إِنْ أَقْبَلُوا عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ بِتَحَمُّسٍ وَصِدْقٍ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ ابْنُ خَلَّدُونَ - وَهُوَ مُؤَرِّخٌ وَمُؤَمِّسُ عِلْم الإجتماع - «إِنَّ الْعَرَبِيَّ الْبَدَوِيُّ هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ انْجِذَابًا إِلَى كُلِّ جَدِيدٍ، فَلِذَلِكَ إِنْ أَقْبَلَ الْبَدَوِيُّ عَلَى الخَيْرِ أَمْعَنَ فِيهِ وَحَقَّقَهُ وَإِنْ أَقْبَلَ عَلَى الشَّرِّ بَالَغَ فِيهِ وَطَبَقَهُ، وَهَذِهِ نَظَرِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ أَثْبَتَ مِصْدَافِيَّتُهَا التَّارِيخ وَوَافَقَهَا الْوَاقِعُ المُعِيشُ، وَلِذَا لما وُجِدَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ وَالدِّينُ الْإِلى وَالدَّعْوَةُ الماضِية كَانَ الْعَرَبُ هُمْ أَجْدَرَ النَّاسِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى تَحَملِ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَأَجَابُوا دَاعِيَهَا وَضَحَوْا مِنْ أَجْلِ دَعْوَتِهِمْ بِالْغَالِي وَالنَّفِيسِ، وَكَمْ مِنَ الصُّوَرِ المُشْرِقَةِ فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النَّضْحِيَاتِ وَقِمَّةِ التَّفَانِي فِي سَبِيلِ الدِّينِ، وَحَسْبُنَا بِبِلَالِ بْنِ

٥٣ / ٦٢٠