السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٦

السيرة النبوية.

رَبَاحٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَبَوَيْهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمْ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ الرِّجَالُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ بَادَرَ لِاعْتِنَاقِ الدِّينِ الْجَدِيدِ لَا قَوْا مَا لَا قَوْهُ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ لِأَجْلِ صَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُثُوا بِذَلِكَ الْعَذَابِ، بَلْ أَقْبَلُوا عَلَى الدِّينِ بِعَزْمٍ وَقُوَّةِ إِيمَانِ، مُتَحَمِّلِينَ مَا لَا قَوا مِنْ حَنِ وَشَدَائِدَ تَقِفُ أَمَامَهُمْ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا نَتِيجَةٌ لِتِلْكَ التَّرْبِيَةِ الخَشِنَةِ الَّتِي تَرَبَّوْهَا فِي الصَّحْرَاءِ الْفَاحِلَةِ وفي الحَيَاةِ الْقَاسِيَةِ الَّتِي جَعَلَتْهُمْ

يَسْتَهِينُونَ بِكُلِّ الْعَقَبَاتِ وَالْمُعَرْقِلَاتِ فِي سَبِيلِ الدَّعْوَةِ وَالدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ. إِنَّ سِيرَ الصَّحَابَةِ وَتَارِيخَ الْإِسْلَامِ يَغُصُّ بِالشَّوَاهِدِ وَالصُّوَرِ الْمُؤْلِةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ أَصْحَابِهَا وَصِدْقٍ إِيمَانِهِمْ، فَذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّه تَعَالَى

عَلَيْهِمْ مَا كَانَ هُمْ لِيَتَحَمَّلُوهُ لَوْلَا الدّينُ الصَّادِقُ وَتَثْبيتُ النبي همْ وَوُقُوفُهُ مَعَهُمْ.

وَهَذَا الْعَامِلُ يُعَدُّ مِنْ أَهْمِّ الْأُطُرِ الَّتِي هَيَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى لِاسْتِقْبَالِ هَذَا الدِّينِ الجَدِيدِ بِظُهورِ النَّبِيِّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِالرِّسَالَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلَا يَحْمِلُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الثَّائِرَةَ إِلَّا قَوْمٌ شِدَادٌ أَقْوِيَاءُ كَأَمْثَالِ صَحَابَتِهِ، هَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ له يَقُولُ: «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ خَيْرًا فَإِنَّهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ وَمَادَّةُ الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ لِيَرْكَنُوا إِلَى النَّعِيمِ وَالدَّعَةِ بَعْدَ أَنْ غَمَرَتْهُمْ بلداتها وذلك للحفاظ عَلَى قُوَّتهم وَمَيْزَتِهِمُ الَّتِي رَفَعَتْ مِنْ شَأْنِهِمْ وَأَعْلَتْ قَدْرَهُمْ، فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يُرْسِلُ وَصِيَّةٌ لِعَامِلِهِ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ فِي بَعْضِ بُلْدَانِ خُرَاسَانَ يَقُولُ فِيهَا: «إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ

٥٤ / ٦٢٠