السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٧

السيرة النبوية.

وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ، فَالْعَرَبُ كَانَ حَمَّامُهُمُ الشَّمْسَ الْحَارِقَةَ فِي الْأَرْضِ الْقَاحِلَةِ الَّتِي تَحْمِي الْعَزَائِمَ وَتُوقِظُ الْهِمَمَ، وَلَيْسَ الْبُخَارَ وَالتَّدْلِيكَ الَّذِي يُورِثُ لِينَ الجِسْمِ وَضَعْفَ الْهِمَّةِ، وَمَا كَانَ يَتَّسِمُ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ خُشُونَةٍ وَصَلَابَةٍ فِي الْأُمُورِ فَقَدْ ضَرَبَ أَرْوَعَ الْأَمْيْلَةِ فِي تَأْرِيخِ الْبَشَرِيَّةِ فِي الْحَزْمِ وَالْجِدٌ، فَكَانَ ه إِذَا رَأَى رَجُلًا خَشِنَا فِي مَلْبَسِهِ وَمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَدَّمَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ، وَكَانَ هَذَا الحُزْمُ وَهَذَا الطَّلَبُ ذَاتُهُ يُجيرُ مَنْ كَانَ يَطْمَعُ فِي نَيْل عَمَلٍ عِنْدَ عُمَرَ أَنْ يَظْهَرَ أَمَامَهُ بِالْمُظْهَرِ الْخَشِنِ مَأْكَلًا وَمَلْبَسًا وَمَرْكَبًا، وَقَد تَجَلَّى ذَلِكَ وَاضِحًا فِي مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الَّذِي كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ فِي الشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّامَ كَانَتْ بَلَدًا مَعْرُوفًا بِقُصُورِهِ وَأَنْهَارِهِ وَخَيْرَاتِهِ وَنَعِيمِهِ الَّذِي لَا يُعَدُّ وَلَا تُحْصى، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَنْغَمِرُ وَيَنْغَمِسُ فِي ذَلِكَ النَّعِيمِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا لَذَّ وَطَابَ، فَإِذَا دَعَاهُ عُمَرُ إِلَى الْمَجِيءٍ إِلَيْهِ جَاءَهُ بِالْمُظْهَرِ الْخَشِنِ فَلَبِسَ لِبَاسَ الْبَدَاوَةِ وَرَكِبَ الْخَيْلَ الْبَسِيطَةَ أَوِ الْبَغْلَ أَو الجَمَلَ وقَلَّلَ مِنَ الزَّادِ وَتَزَوَّدَ بِطَعَامِ الْأَعْرَابِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَلْبَثُ بَعْدَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الشَّامِ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَنَعُم وَتَزَيَّنِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ بِغَافِلٍ عَنْهُ فَقَدْ كَانَ يُعَنِّفُهُ أَشَدَّ التَّعْنِيفِ لا يَسْمَعُهُ مِنْ تَطَلُّبِهِ وَتَلَذْذِهِ بِالدُّنْيَا، وَمَا أَخْطَأَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ التَّنَعُمُ سَبِيلًا لِلْخُمُولِ وَالرُّكُودِ وَمَبْعَنَّا لِضَعْفِ التَّحَمُّلِ الَّذِي أَدَّى إِلَى التَّأَخُرِ بَعْدَ التَّقَدُّمِ

وَالضَّعْفِ بَعْدَ الْقُوَّة.

٥٥ / ٦٢٠