Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٨السيرة النبوية.
الْعَامِلُ السَّادِسُ: قُوَّةُ الْبَيَانِ
لَا رَيْبَ أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ إِيَّانَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ أَعْلَى مَرَاحِلِ نُضْحِهَا وَأَوْجَ رِفْعَتِهَا، وَكَانَ لِشُعَرَاءِ المُعَلَّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّعَرَاءِ الدَّوْرُ الْبَارِزُ فِي إِنْضَاجِ تِلْكَ اللُّغَةِ فَقَدِ اسْتَطَاعُوا مِنْ تَجْوَاهِمْ وَتَطْوَافِهِمْ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُوَحْدُوا لُغَةَ الْعَرَبِ مِنْ جَمِيعِ هَجَاتِهَا، وَأَنْ يَجْعَلُوا مِنْ كُلِّ سُكَّانِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ لَهَجَاتِهِمْ أُمَّةٌ تَجْتَمِعُ فِي تَعَامُلِهَا مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ يَفْهَمُهَا الكُل فكانت تلك هِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَكَانَ بِهَا حَدِيثُ النَّبِيِّ وَالْفَصَاحَةُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مَكَّنَتْهُمْ مِنْ فَهْمِ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ وَنُصُوصِهِ ثُمَّ نَقْلِهَا
إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَكَانَ النَّبِيُّ أَفْصَحَ الْعَرَبِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالصَّادِ، وَالضَّادُ لُغَةُ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الضَّادِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ، وَقَدْ أُونِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
لِفَصَاحَتِهِ وَبَلاغتِهِ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْقَلِيلُ الحَاوِي لِلْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ. وَقَدْ وَصَلَ بِالْعَرَبِ الْأَمْرُ أَنْ يَتَحَدَّوْا كُلَّ مَنْ يَشَاءُ أَنْ يُبَارِيَهُمْ فِي مَيْدَانِ الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَلَكِنِ الْقُرْآنُ جَاءَ فِي أَعْلَى تِلْكَ الذُّرَى فَتَحَدَّاهُمْ فِي لُغَتِهِمْ وَفَصَاحَتِهِمْ، وَتَخَدَّاهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَلاغَةِ وَبَيَانِ، تَخَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْقُرْآنِ ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ أَوْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، بَلْ أَذْعَنُوا
58