Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٦٨السيرة النبوية.
هُوَ وَاقِعُها المعيش، وَمَا مَعْرَكَةٌ غَزَّةَ وَتَدَاعِيَاتُهَا عَنَّا بِبَعِيدَةِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّهَا تَرَكَتِ الْخِيَارَ الرَّبَّانِيَّ لَهَا الَّذِي أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: 104، وَكَلِمَةُ "مِنْ" في الْآيَةِ هِيَ لِلْبَيَانِ وَلَيْسَتْ لِلتَّبعيض، بِمَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمُقْتَضَى الْآيَةِ مُبيِّنًا لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ أَمْرُهُ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، فَلَا
اختيارَ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِلْهُرُوبِ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ الْإِلهَيِّ الشَّرِيفِ.
أَمَّا كَوْنُ مَوْلِدِهِ هُوَ مَوْلِدُ حَضَارَةِ، فَإِنَّ الحَضَارَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، بِمَعَانِيهَا الْإِنْسَانِيَّةِ الْوَاسِعَةِ، وَمُفْرَدَاتِهَا الْمَادِيَّةِ الْكَبِيرَةِ، فَقَدْ وُجِدَتْ وَتَكَوَّنَتْ أَيْضًا بِمَوْلِدِهِ الشَّرِيفِ المُبَارَكِ، لأنها رَبَّانِيَّةُ المُصْدَرِ، أَسَاسُهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَرْدَفَهُ بِالْوَحْيِ الْخَفِيُّ المُتَمَثْلِ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ المُطَهَّرَةِ.
وَلِكَوْنِ الحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ رَبَّانِيَّةَ المُصْدَرِ، فَإِنَّ اللَّينَةَ الْأُولَى فِي بِنَائِهَا هِيَ الْإِيمَانُ بِالله خَالِقِ الْوُجُودِ وَمُصَرِّفِ الْكَوْنِ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا
يَقُولُ لَهُ كُن فيكون (3) البقرة: 117.
117
568