السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٨١

السيرة النبوية.

لَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ عَلَى دِينِ أبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخَذُوهُ عَنْ أَبِيهِمْ نَبِيِّ اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَلَكِنَّهُمْ مَا لَبِثُوا زَمَانًا طَوِيلًا حَتَّى اسْتَبْدَلُوا بِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، فَإِذَا بِهبَلَ وَالْعُزَّى وَاللَّاتِ وَمَنَاةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَصْنَامِ الْكَثِيرَةِ تَتَرَبَّعُ عَلَى أَرْضِ الْعَرَبِ فِي جَزِيرَتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْعُمَانِيُّونَ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا بِالصَّنَمِ ((بَاجِر)) هُوَ الْآخَرُ يَتَرَبَّعُ عَلَى أَرْضِ سَمَائِلَ مِنْ عُمَانَ.

وَهَكَذَا صَارَ الْعَرَبُ مِنْ عُمَانَ شَرْقًا وَإِلَى عِهَامَةَ غَرْبًا، وَمِنَ الْيَمَنِ جَنُوبًا وَإِلَى جَبَلَيْ طَيْ أَجَا وَسَلْمَى شَمَالًا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، حَتَّى أَصْبَحَتْ حَيَاةُ الْعَرَبِ تَدُورُ عَلَى الْأَصْنَامِ جِيئَةً وَذَهَابًا وَمُكُونَا وَرَحِيلًا، وَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، وَلَا يَتَصَرَّفُ أَيَّ تَصَرُّ فِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَقْسِمَ بِالصَّنَمِ وَيَطُوفَ بِهِ، وَإِنَّ المُرْءَ لَيَمْتَلِكُهُ الْعَجَبُ وَيَذْهَبُ بِهِ الاسْتِغْرَابُ كُلَّ مَذْهَبِ وَهُوَ يَرَى الْإِنْسَانِيَّةَ تَتَهَاوَى أَمَامَ الْأَصْنَامِ، وَتُطَاطِئُ لَمَا الرُّؤُوسَ، وَهِيَ حِجَارَةٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُهَا أَرَادَ لَهَا التَّكْرِيمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلِ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

وَرَزَقْتَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. وَيَتَسَاءَلُ الْإِنْسَانُ: أَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْعُقُولُ الرَّاجِحَاتُ مِنَ الْعَرَبِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهَا الْحِكْمَةُ وَفَضْلُ الخِطَابِ؟ وَلَكِنَّهَا عُقُولٌ كَمَا وَصَفَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ

رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ المَاهِرُ الخَبِيرُ قَائِلًا: عُقُولٌ وَاللَّهُ وَلَكِنْ سَلَبَهَا بَارِيهَا. وَانْتَشَرَتْ عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فِي الْعَرَبِ، بَلْ فِي الْبَشَرِ كُلِّهِمْ، وَكَانَتْ قُرَيْضٌ وَهِيَ سَادِنَةٌ البَيْتِ الْعَتِيقِ وَوَرِيثَةُ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَكْثَرَ الْعَرَبِ، بَلْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ اليَمَاكًا فِي

581

٥٦٤ / ٦٢٠