السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥٩٥

السيرة النبوية.

وَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ شَهَادَةً لَا مِرَاءَ فِيهَا وَلَا جِدَالَ لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الصَّائِبَةِ الْمُوَفَّقَةِ بِأَنَّ المُسْلِمِينَ مَتَى مَا اقْتَرَبُوا مِنْ دِينِهِمْ وَتَمَسَّكُوا بِهِ عَزُوا وَمَتَى مَا ابْتَعَدُوا عَنْهُ ذَلُّوا. وَتَتَمَخَّضُ تِلْكَ الرَّحْلَةُ الميَمُونَةُ عَنِ الْعُهْدَةِ الْعُمَرِيَّةِ الَّتِي هِيَ دُرَّةٌ تَارِيخيَّةٌ تَتَلَالاً

سُلُوكًا حَضَارِيًّا، وَتَتَجَلَّى رَحْمَةً إِسْلَامِيَّةً سَامِيَةٌ، وَتَتَأَلَّقُ تَسَامُحًا دِينِيًّا لَا مَثِيلَ لَهُ. وتُعتبرُ الْعُهْدَةُ الْعُمَرِيَّةُ مِنْ أَهَمِّ الْوَثَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ، وَقَدْ أَفَرَّ فِيهَا الْخَلِيفَةُ عُمَرُ سُكَانَ الْقُدْسِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَمِيع شُؤُونِهِمُ الحَيَاتِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالاِقْتِصَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا، حَيْثُ جَاءَ فِيهَا: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَعْطَى عَبْدُ الله أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ إِيلِيَّاءَ الْقُدْسِ مِنَ الْأَمَانِ، أَعْطَاهُمْ أَمَانَا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصُلْبَائِهِمْ وَسَقِيمِهَا وَبَرِيئِهَا وَسَائِرِ مِلَّتِهَا أَنَّهُ لَا تُسْكَنُ كَنَائِسِهِمْ وَلَا تُهْدَمُ وَلَا يُنْتَقَضُ مِنْهَا وَلَا مَنْ خَيْرِهَا وَلَا مِنْ صَلِيبِهِمْ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يُكْرَهُونَ عَلَى دِينِهِمْ وَلَا يُضَارُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يَسْكُنُ بِإِيلِيَّاءَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنَ

الْيَهُودِ … إلخ». وَكَأَنَّ عُمَرَه كَانَ يَسْتَشْرِفُ مُسْتَقْبَلَ الْأَيَّامِ، وَمَا صَارَتْ إِلَيْهِ الْقُدْسُ وَمَعَهَا بَقِيَّةُ المُناطِقِ الْفَلَسْطِينِيَّةِ مِنْ الاِحْتِلالِ الْيَهُودِيِّ، عِنْدَمَا قَالَ: (وَلَا يَسْكُنُ بِإِيلِيَاءَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ وَلَا نَسْتَبْعِدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَلَبِ مِنَ النَّصَارَى أَنْفُسِهِمْ، بَعْدَ

مَا لَمَسُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَدَالَةٍ وَمُعَامَلَةٍ صَادِقَةٍ حَسَنَةٍ. وَكَما أَنَّ وَثِيقَةَ المَدِينَةِ الَّتِي وَادَعَ فِيهَا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَهُودَ المَدِينَةِ تُعَبرُ عَنِ التَّفَاهُمِ الْإِسْلَامِيُّ الْيَهُودِيٌّ لَوْلَا أَنْ وَأَدَهَا الْيَهُودُ فِي مَهْدِهَا، فَإِنَّ الْعُهْدَةَ

٥٧٧ / ٦٢٠