Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٠٩السيرة النبوية.
تَشْهَدُهُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي تَارِيخهَا الطَّوِيلِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الصَّحِيفَةُ كَتَبَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ سَوَاءٌ كَانُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ قَبَائِلَ كَبِيرَةً كَبَني النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي فَيُنْفَاعَ أَوِ الَّذِين يُشَكِّلُونَ جَمَاعَاتٍ صَغِيرَةٌ دَاخِلَةٌ وَمُتَحَالِفَةٌ مَعَ الْقَبَائِلِ وَالْبُطُونِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ عَاشَ الْجَمِيعُ مُتَسَاوِينَ فِي الحُقُوقِ
وَالْوَاجِبَاتِ فِي ظِلِّ جُنُودِ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ الشَّرِيفَةِ حَتَّى نَقَضَهَا الْيَهُودُ شَيْئًا فَشَيْئًا. لهَذِهِ المُعَانِي السَّامِيَةِ نُدْرِكُ سِرَّ إِطْلَاقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَى بِلَادِ الْمُهْجَرِ الْإِسْلَامِيِّ اسْمَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ اسْمُهَا يَثْرِبَ وَطَيْبَةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ تُوحِي وَتُؤْذِنُ بِانْطِلَاقِ المُدَنِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ذَاتِ الْبُعْدِ الْحَضَارِي
الرائع.
وَعَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ دِينُ المَدَنِيَّةِ وَالْحَضَارَةِ، لِذَلِكَ كَانَتِ الْمَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ قَاعِدَةَ انْطِلَاقِ تِلْكَ الْحَضَارَةِ بِبُعْدَيْهَا الْإِيمَانِي وَالْمادِي لِتَعُمَّ الْكَوْنَ وَتُغَطِّيَ الْكُرَّةَ الْأَرْضِيَّةَ نَاشِرَة الْعَدْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالْأَمْنَ وَالْأَمَانَ.
أَيُّهَا الْحَفْلُ الْكَرِيمُ: لَقَدْ دَفَعَ اللهُ بِالمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ بِالهِجْرَةِ وَأَذِنَ هُمْ فِي الْقِتَالِ كُلُّ ذَلِكَ لِحِمَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمُقَدَّسَاتِهَا الدِّينِيَّةِ، يَقُولُ اللهُ: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ خَدِمَتْ صَوَامِعُ وَبَعٌ وَصَلَوَاتٌ