Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦١٢السيرة النبوية.
إِنَّ شَأْنَ الهِجْرَةَ عَنِ الْأَوْطَانِ شَأْنُ فِيهِ مَرَارَةٌ وَلَوْعَةٌ وَكُرْهُ، فَهُوَ ثَقِيلٌ عَلَى النَّفْسِ لَا فِيهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْإِخْوَانِ، وَتَرْكِ الدِّيَارِ وَالسُّكَّانِ، كَمَا أَنَّهُ وَلَا شَكٍّ أَمْرٌ عَزِيزٌ عَلَى النَّفْسِ شَدِيدُ الْوَطْأَةِ عَلَى الْقَلْبِ، وَهُوَ مَا عَبَرَ عَنْهُ الحَبِيبُ المُصْطَفَى صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ خَيْرَ تَعْبِيرِ بَعْدَمَا خَرَجَ أَوْ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ مَسْقَط رَأْسِهِ وَمَرْبعٍ صِبَاهُ وَمَوْطِنِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ يُلْقِي نَظْرَةَ الْوَدَاعِ إِلَيْهَا: " وَاللَّهِ إِنَّكِ لَأَحَبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ". بَيْدَ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يُرِيدُ أَمْرًا، وَاللهُ يُرِيدُ غَيْرَهُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أَرَادَ اللهُ عَزَّ سُلْطَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ظَاهِرِهِ شَرًّا حَسَبَ رُؤْيَةِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِخَيْرِهِ حَتَّى يَظْهَرَ ذَلِكَ الْخَيْرُ لِلْإِنْسَانِ، يَقُولُ اللَّهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) البقرة: 216، وَيَقُولُ
أَيْضًا فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء: 19. لَقَدْ سَارَتِ الهِجْرَةُ النَّبوِيَّةُ عَلَى هَذَا النَّحْو مِنَ المسير، خُرُوجٌ بَلْ إِخْرَاجٌ عَنِ
الْأَوْطَانِ، وَبُعْدٌ عَنِ الْأَهْلِ وَالخِلانِ، وَفِرَاقٌ لِلْأَصْحَابِ وَالْجِيرَانِ. مَا أَمَرَّ هَذِهِ المُفَرَدَاتِ، وَمَا أَقْسَى مَدْلُولَاتِهَا، لَوْلَا الدِّينُ وَإِعْزَازُهُ وَالتَّصْحِبَةُ مِنْ أَجْلِهِ، لِذَلِكَ كَانَتِ النِّيجَةُ رَائِعَةٌ حَقًّا، فَقَدْ تَخَضَتِ الهِجْرَةُ عَنْ أَمْرٍ كَبِيرٍ، أَلَا وَهُوَ