Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦١٤السيرة النبوية.
إِنَّ الْقَرَارَ بِاعْتِمَادِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِتَدْوِينِ التَّارِيخِ هُوَ قَرَارٌ عَظِيمٌ عَمِيقُ النَّظَرِ، بَعِيدُ الْأَثَرِ، لَمْ يَنْشَأ اعْتِبَاطًا وَاز تِجَالًا، وَإِنَّمَا الْخَلَهُ ذَلِكُمُ الْخَلِيفَةُ الْعَظِيمُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِنَاءً عَلَى دِرَاسَةِ عَمِيقَةٍ وَمُشَاوَرَاتٍ مُسْتَفِيضَةٍ مَعَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ الله مِنْ مُهَاجِرِيهِمْ وَأَنْصَارِهِمْ، حَتَّى كَانَ ذَلِكُمُ الْقَرَارُ الصَّانِبُ الْمُوَفَّقُ بِتَوْفِيقِ الله تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ يَدُورُ هُنَاكَ تَسَاؤُلَانِ:
الْأَوَّلُ: لِمَاذَا اعْتُمِدَتِ الْهِجْرَةُ فِي تَدْوِينِ التَّارِيخ وَلَمْ يُعْتَمَدُ مَوْلِدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَنَّ
مَوْلِدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَدَتْ فِي الدُّنْيَا عَظِيمٌ؟
وَالثَّانِي: لِمَاذَا لَمْ يُجْعَلِ الشَّهْرُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْهِجْرَةُ وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعِ الْأَوَّلُ بِدَايَةٌ
لِلتَّارِيخِ، وَجُعِلَتْ غُرَّةُ مُحرَّمٍ هِيَ الْبِدَايَةُ؟
فَالْجَوَابُ عَنِ التَّسَاقُلِ الْأَوَّلِ:
هُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ تَشْرِيعِ جَاءَ لِتَنْظِيمِ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِهَا وَتَخْلِيصِ الْعَقِيدَةِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لله تَعَالَى، وَعَلَى ذَلِكَ فَهُوَ يَبْتَعِدُ عَنِ الشَّخْصَنَةِ أَي التَّعْلُقِ بِالْأَشْخَاصِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّخْصُ هُوَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا لك الَّذِي نَعْتَبِرُهُ نَحْنُ المُسْلِمِينَ عَقِيدَةً ثَابِتَةٌ وَإِيمَانًا جَازِمًا أَفْضَلَ وَأَعْظَمَ مَخلُوقِ فِي الْبَشَرِيَّةِ عَلَى الإطلاقِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَنَا عَدَمَ التَّعَلُّقِ بِشَخْصِهِ الْكَرِيمِ لِقَوْلِهِ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ
614