السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٦

السيرة النبوية.

وَهَذَا الحَدَثُ الْعَظِيمُ صَاحَبَتْهُ إِرْهَاصَاتٌ، وَالْإِرْهَاصُ هُوَ تَأْسِيسٌ وَتَهْهِينَةٌ لِأَمْرٍ ما، بِحَيْثُ يَكُونُ الحَدَثُ مُنْسَاقًا وَمُنْسَجِها مَعَ ذَلِكُمُ التَّأْسِيسِ وَالنَّهْبِئَةِ، فَهُنَاكَ بَينَةٌ

حِدَثِ الْمُوْلِدِ وَتَهْيِئَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، وَقَد تَرَابَطَتْ هَذِهِ الْإِرْهَاصَاتُ.

وَهَذِهِ الْإِرْهَاصَاتُ لَوْ فَكَّرْنَا فِيهَا وَعُدْنَا إِلَى الخَلَفِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لَوَجْدَنَاهَا مُرْتَبِطَةٌ بِمَجِيء الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَبِنَائِهِمَا لِلْكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، هَذِهِ أُولَى الْإِرْهَاصَاتِ هَذَا الْحَدَثِ الْعَظِيمِ، فَالنَّبِيُّ إِبْرَاهِيمُ جَاءَ بِزَوْجَتِهِ هَاجَرَ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى عَنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ وَالْحِجَازِ (1)، وَقَالَ كَمَا حَكَى اللهُ عَنْهُ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقَهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (2)، إِذَا هُنَالِكَ أَمْرُ بِأَنْ تَكُونَ حَيَاةٌ فِي مَكَّةَ، وَمَكَةُ ثَبَتَتْ عِنْدَ المُحَلّلِينَ الجُغْرَافِيِّينَ بِأَنَّهَا الْوَسَطُ أَي فِي مَرْكَزِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، فَلِذَلِكَ خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا قَائِلًا: {وَلِتُنذِرَ أُمَ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (3)، حَوْلَهَا: أَيْ كُلَّ مَا فِي الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَهَذَا مَأْخُوذُ مِنَ الْإِشَارَةِ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً

1) تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ فِي مَبْحَثِ إِسْمَاعِيلُ أَبُو الْعَرَبِ الْبَاقِيَةِ.

(2) سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ الْآيَةُ: 37.

(3) سُورَةُ الْأَنْعَامِ، الآية: 92

٦٤ / ٦٢٠