Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٨السيرة النبوية.
لَقَدْ تَعَمَّقُوا فِي تَقْدِيسِ الحَرَمِ، فَإِذَا سَافَرَ أَحَدُهُمْ حَمَلَ بَعْضَ الْحِجَارَةِ مِنْهُ كَنَوْعِ مِنَ التَّعْظِيمِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ الْأَمْرُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِمَّا جَعَلَهُمْ يَسْتَسِيعُونَ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ المُصْنُوعَةِ مِنَ الحِجَارَةِ، وَكَانُوا يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ فِي رِحْلَتَيْنِ هُمْ رِحْلَةٍ فِي الشَّتَاءِ إِلَى الْيَمَنِ، وَرِحْلَةٍ فِي الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ اتِّبَاعًا لِلْمُنَاخِ وَاعْتِدَالِ الْجُو، فَوَجَدُوا فِي الْبَتْرَاءِ أَوِ الْبَلْقَاءِ مَنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَكَانَ عمرو بْنُ حَيَّ الْخَزَاعِيُّ قَدْ ذَهَبَ إِلَى هُنَالِكَ فَسَأَهُمْ: مَاذَا تَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ؟ فَأَخْبَرُوهُ عَنِ الْفَائِدَةِ مِنْ عِبَادَتِهم لها بما يَتَوَكَّمُونَهُ وَيَعْتَقِدُونَهُ، فَأَتَى مِنْ عِنْدِهِمْ بِصَنَمٍ اسْمُهُ هُبَلُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَتْ تُعُظْمُهُ الْعَرَبُ وَخَاصَّةٌ قُرَيْضٌ فَجَاءَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمِنْ ذَلِكُمُ التَّقْدِيسُ لِلْحَرَمِ أَيْضًا حَمْلُهُمْ لِلْحِجَارَةِ وَأَحْيَانًا التُّرْبَةُ عِنْدَمَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَم تَعَلَّقًا مِنْهُمْ بِهِ، وَشَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَسَاءَلُوا فِي عِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَالْأَصْنَامِ وَالْأَزْلَامِ وَغَيْرِهَا، فَكَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ عِبَادَتِهِمْ لِلْأَوْثَانِ ظَلُّوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّيَانَةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، لَا سِيمَا فِي أَمْرِ الحج مَعَ اخْتِلَافِ قَلِيلِ فِي مَسَائِلِ السُّلُوكِ، فَالْعَادَاتُ وَالسُّلُوكُ الَّتِي عِنْدَ الْعَرَبِ هِيَ بَقَايَا مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ لِيُتَمِّمَهَا، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " إِنَّما
بُعِثْتُ لِأُتمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ".
68