Alsaidia_387_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧١السيرة النبوية.
الحَرَمِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، إِذَنْ كَانُوا آمِنِينَ وَغَيْرَ جَائِعِينَ، فَلَيْسَ هُنَاكَ مُبَرِّرٌ
لِوَادِ بَنَاتِهِمْ. وَمَعَ الْأَسَفِ نَجِدُ أَنَّ بَعْضَ المُفَكَّرِينَ المُسْلِمِينَ الْمُعَاصِرِينَ قَدْ أَعْجَبَتْهُمْ تِلْكَ المقولاتُ لِيُظْهِرُوا فَضْلَ الْإِسْلَام وَعَظَمَتَهُ، وَكَمَا قَالُوا: وَالضَّدُّ يُظهرُ حُسْنَهُ الضَّد، فَتَرَاهُمْ يُردِّدُونَ تِلْكَ الْأَقْوَالَ عَنْ وَحْشِيَّةِ الْعَرَبِ وَقَسْوَتِهِمْ وَهَمَجِيَّتِهِمْ، وَفِي الْمَقَابِلِ لَا بُدَّ أَنْ يُنْزِلُوا مِنْ قَدْرِ الْعَرَبِ.
أَمَّا المُسْتَشْرِقُونَ فَأَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يَنتَمِي إِلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْوَحْشِيَّةِ وَالْهَمَجِيَّةِ غَيْرِ الْحَضَارِيَّةِ الَّتِي يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، هَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى قِيَادَةِ الْبَشَرِيَّةِ؟ وَهَل هَذِهِ الرِّسَالَةَ تَسْتَحَقُّ لَهَا أَنْ تَكُونَ رِسَالَةً عَالِيَّةٌ لجميع الأمم وَالشُّعُوبِ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الدُّنْيَا وَمَنْ عَلَيْهَا؟ فَالْمُفَكَّرُونَ المُسْلِمُونَ تَلَقَّوا الْفِكْرَةَ وَأَخَذُوا يُرَدّدُوتها يُرِيدُونَ إِظْهَارَ فَضْلِ الْإِسْلَام وَفَضْلَ مُحَمَّدٍ مِمَّا حَدًا بِهِمْ
إِلَى المُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ، فَأَسَاؤُوا إِلَى الْعَرَبِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ.
وَكَذَلِكَ تهيئَةٌ هِذَا الحَدَثِ الْعَظِيمِ، مَوْلِدِ النَّبِيِّ الشَّرِيفِ، وَإِرْهَاصًا لِلنُّبُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَقَدْ تَوَجَّدَتِ الْجَزِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى لُغَةِ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا التَّوَحُدُ فِي اللُّغَةِ غَيْرُ
مَوْجُودٍ فِي الْأُمَمِ الْأُخْرَى الَّتِي نَجِدُ فِيهَا هَجَاتٍ مُتَبَايِنَةٌ كَالصِّينِ وَالْهِنْدِ وَفَارِسَ. أَمَّا اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ فَقَدْ تَوَجَّدَتْ بَيْنَ جَنُوبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَشِمَالِهَا، وَهَيَّا اللَّهُ تَعَالَى لهَا شُعَرَاءَ جَابُوا أَقْطَارَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ أَوِ الْعَشْرِ وَغَيْرُهُمْ، فَتَوَجَّدَتْ لُغَةُ الْعَرَبِ، وَعَرَفَ الْعَرَبِيُّ لَهَجَةَ أَخِيهِ الْعَرَبِ فِي أَي مَكَانٍ مِنَ