السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٧٢

السيرة النبوية.

الجزيرَةِ، وَصَارَ الشِّعرُ الْعَرَبِيُّ مَفهومًا عِندَ كُلّ عَرَبِيٌّ، وَصَارَتِ المُعَلَّقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ بِمَثَابَةِ الْكِتَابِ الَّذِي يَحْفَظُهُ كُلُّ عَرَب، فَهَذِهِ تَهْتَةٌ وَإِرْهَاصٌ يَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِرِسَالَتِهِ،

وَلَوْ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ غَيْرِ تَوْحِيدِ لِأُمَّةِ الْعَرَبِ فِي لُغَتِهَا لَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ لَا يَفْهَمُونَهُ، وَقَبْلَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَمِلَ شُعَرَاءُ الْعَصْرِ الْجَاهِلِي الْفُحُولُ عَلَى تَوْحِيدِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَقَدْ كَانُوا يَقُومُونَ بِجَوَلَاتٍ فِي أَصْفَاعِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَالْأَعْشَى مَثَلًا خَاضَ رُبُوعَ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الشَّامِ وَحَتَّى الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ وَعُمَانَ، وَمِنَ الطَّبِيعِيُّ أَنْ يُنْشِدَهُمْ أَشْعَارَهُ، وَهُمْ يَعْرِفُونَهَا.

وَنَتِيجَةٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ رَأَى أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ الْحَبَشِيُّ حَاكِمُ الْيَمَنِ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ المُكَانَةَ، فَعَمِلَ عَلَى تَدْبِيرِ مُؤَامَرَةٍ، حَيْثُ بَنَى بِنَايَةً بَسِيطَةٌ صَغِيرَةٌ فِي صَنْعَاءَ وَسَاهَا الْفُلَيْسَ، وَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ الْعَرَبَ إِلَيْهَا عَنْ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ لِمَا رَأَى مِنْ مَكَانَتِهَا فِي قُلُوبِ الْعَرَبِ وَتَقْدِيسِهِمْ لَهَا، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَحُجُونَ إِلَيْهَا، وَرَأَى تِلْكَ الْأَسْوَاقَ الْاِقْتِصَادِيَّةَ الَّتِي تُصَاحِبُهَا فَعَالِيَّاتُ أَدَبِيَّةٌ وَشِعْرِيَّةٌ، فَكَانَ الشَّعْرُ هُوَ سَيِّدَ الْفِكْرِ وَالْقَوْلِ آنَذَاكَ، كَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ يُعْقَدُ حَوْلَ مَكَةً، ومِنْ نَاحِيَةٍ ثَانِيَةٍ عِنْدَمَا حَكَمَ أَبْرَهَةٌ - وَهُوَ حَبَشِيٌّ - جُزْءًا عَزِيزًا مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ فَقَدَتْ صَنْعَاءُ مَكَانَتَهَا وَانْصَرَفَ عَنْهَا الْعَرَبُ، وَكَأَنَّهُ عَدَمُ اعْتِرَافٍ بِمُلْكِهِ عَلَى بِلَادِ الْيَمَنِ السَّعِيدِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ عَزِيزٌ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، لَّا رَأَى أَبْرَمَهُ كُلَّ ذَلِكَ - وَلَعَلَّهُ فَسَّرَهُ بِعَدَمٍ شَرْعِيَّتِهِ لِحُكْمِهِ عَلَيْهَا - وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ رَأَى أَنَّ الاِقْتِصَادَ تَحَوَّلَ إِلَى مَكَّةَ، وَأَنَّ الْكَعْبَةَ هِيَ الَّتِي جَذَبَتِ الْعَرَبَ إِلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ

72

٧٠ / ٦٢٠