السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٧٥

السيرة النبوية.

نَصْرِفَهُ عَنْ دَلَالَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْحِجَارَةُ فِيهَا ذَلِكَ الْفَيْرُوسُ الَّذِي أَصَابَ أَبْرَهَةً وَتَنَاثَرَ لَحْمُهُ وَمَاتَ فِي صَنْعَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ حِجَارَةً فَقَطْ لَرُبَّما مَاتَ مِنْهَا، فَجَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ نَقُولُ: لَعَلَّهُ فِي تِلْكَ الْحِجَارَةِ الْفَيْرُوسَاتِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بَعْضُ كُتَابِ السِّيرَةِ وَبَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ، وَلَكِنْ لَا نُوَافِقُهُمْ بِأَنَّهُ مَا كَانَ هُنَالِكَ طَيْرُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ ذَكَرَ الطَّيْرَ وَالحِجَارَةَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَصْرِفَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إِلَى الْفَيْرُوسَاتِ فَقَطْ، هَذِهِ الْحَادِثَةُ زَادَتْ مِنْ مَكَانَةِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَعِنْدَ الْعَرَبِ زَادَتْ مَكَانَةُ قُرَيْشٍ، وَعِنْدَ قُرَيْشٍ زَادَتْ مَكَانَهُ بَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى أَبْرَهَةَ لِكَيْ يَسْأَلَهُ فِي بُعْرَانٍ لَهُ أَخَذَهَا جَيْشُ أَبْرَهَةَ، وَكَانَ أَبْرَهَةُ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، ولَعَلَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ، وَلَكِنْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَانَ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ، عِنْدَمَا قَالَ لَهُ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ مِائَةِ بَعِيرٍ وَتَتْرُكُ هَذَا الْبَيْتَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ وَلَكِنْ الْحُكَمَاءُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسَالِيبُ فِي جَالِسِ المُلوكِ يَسْتَقْرِئُونَ بِهَا حَالَةَ ذَلِكَ المَلِكِ وَصَوْلَتَهُ وَعَجْرَفتَهُ وَبَطْشَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ فَأَسْأَلُ عَنْ إِبِلِي، أَمَّا الْبَيْتُ الَّذِي تَعْنِيهِ فَلَهُ رَبِّ يَحْمِيهِ، وَذَلِكَ فِيهِ تَذْكِيرٌ لِأَبْرَهَةَ بِأَنَّ ذَلِكُمُ البَيْتَ لَيْسَ تَحْمِيًّا مِنْ قِبل الْبَشَرِ، إِنَّهَا مِنْ قِبل الله تَعَالَى، وَلَكِنْ أَبْرَهَهُ كَانَ غَشُومًا لَا يُفَكِّرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ، كَانَ قَدْ أَتَى لِيَفْعَلَ فِعْلَتَهُ الشَّنِيعَةَ الْخَبِيثَةَ دُونَ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَوْ يَأْخُذَ أَرَاءَ أُناسٍ، آخَرِينَ، أَوْ يَسْتَمِعَ إِلَى مَنْ يَنْصَحُهُ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا جَاءَ لِيُنفِّذَ أَمْرًا اسْتَرَاتِيجِيَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى دَوْلَتِهِ وَدِينِهِ، وَلَكِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ

Vo

٧٣ / ٦٢٠