السيرة النبوية: رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية أحمد بن سعود بن سعيد السيابي

Alsaidia_387_Modified

الجزء ١ · صفحة ٧٧

السيرة النبوية.

-

وَالْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا - مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِي - هُوَ الْقَوْلُ المُناسِب؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ الَّذِي يُرْسَلُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ وَيَحْمِلُ رِسَالَةٌ، وَيُغَيِّرُ مَفَاهِيمَ وَيَحْمِلُ لِلْبَشَرِيَّةِ - كَمُحَمَّدٍ - نُبُوَّةَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ

عَلَيْهَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ لا تُوجَدُ عِصْمَةٌ لَهُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ (1).

وَنَجِدُ بَعْضَ المُحْدَثِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فِيمَا يُوحَى بِهِ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْوَحْيِ فَمَا هُنَالِكَ مِنْ عِصْمَةٍ، وَيَسْتَشْهِدُونَ عَلَى ذَلِكَ بِحَادِثِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ لَّا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتْرُكُوا التَّأْبِيرَ، فَفَسَدَتِ الثَّمَارُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الثَّمَارَ قَدْ فَسَدَتْ بِعَدَمِ التَّكْبِيرِ، فَقَالَ لَهُمْ: "أبروا، أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُئُونِ دُنْيَاكُمْ، لَكِنْ هَذَا لَيْسَ لَهُ عِلَاقَةٌ بِقَضِيَّةِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَرَكَةُ حَيَاةٍ، وَالْكَلَامُ فِي الْعِصْمَةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي، وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِمَعْصِيَةٍ؛ لأنَّ النَّبِيِّ إِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ فِي حَرَكَاتِهِ الْعَادِيَّةِ، يَتَحَرَّكُ مِثْلَهُمْ وَيَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُونَ، وَيَأْخُذُ عَادَةَ قَوْمِهِ، فَهُوَ بَشَرٌ اصْطَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى اللَّه (2).

إِذًا هُنَالِكَ جَانِبٌ كَبِيرٌ مِنْ حَرَكَةِ الْحَيَاةِ وَحَرَكَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ حَوْلَ الْوُقُوعِ فِي المُعَاصِي الَّتِي تَشِينُ الْإِنْسَانَ، أَمَّا الْخَطَأُ فِي قَضِيَّةِ تَأْبِيرٍ فَلَيْسَ مِنَ الْمُعَاصِي،

(1) ثُمَّ وَجَدْتُ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ اطفيش يَقُولُ: «الْأَنْبِيَاءُ لَا يَعْصُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلَا بَعْدَهَا إِلَّا مَا يُعَدُّ عِصْيَانًا فِي حَقِّهِمْ انْظُرْ تَيْسِيرَ التَّفْسِير ج 5، ص 122)، طَبْعَة الجَزَائِرِ.

(2) سُورَةُ الكهف. - 110

٧٥ / ٦٢٠