أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

المطلب الثاني: أقسام الحكم التّكليفي وتعريفها:

تقدّم بيان أنّ الأصوليّين يعرّفون الحكم الشّرعي بأنّه: «خطاب الشّارع المتعلّق بفعل المكلّف بالاقتضاء أو التّخيير أو الوضع»، ويُقصد بخطاب الشّارع الوصف الذي يعطيه الشّارع لما يتعلّق بأفعال المكلّفين، والمراد بالاقتضاء طلب الفعل أو التّرك على سبيل الإلزام أو التّرجيح، كما أنّهم يقسّمون الحكم الشرعي إلى تكليفيّ ووضعي، ويعرّفون الحكم التّكليفيّ بأنّه: «ما يقتضي طلب الفعل أو الكفّ عنه، أو التّخيير بين الفعل والتّرك»، ويذكرون له أقساما وهي: الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، المباح. وفيما يأتي سأعرّف هذه الأقسام مع التّمثيل لها.

- الواجب: هو ما طلب الشارع فعله على وجه اللّزوم، بحيث يذمّ تاركه، ومع الذّمّ العقاب، ويمدح فاعله ومع المدح الثّواب، كقوله تعالى: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾(1) فهو يتضمّن وجوب الصّلاة والزّكاة.

والواجب هو الفرض عند الجمهور فهما سواء لا يختلفان في الحكم ولا في المعنى، ويُطلقان على ما يلزم فعله، ويعاقَب على تركه(2).

أمّا الحنفيّة ففرّقوا بينهما؛ فما ثبت بدليل قطعيٍّ مثل الكتاب والسنّة المتواترة فهو الفرض، كالصّلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك.

(1) سورة الحج، الآية: 78.

(2) يتّفق الأصوليّون على أنّ مفهوم الفرض والواجب مختلفان من جهة اللّغة، أمّا من جهة الشّرع فقد اختلفوا فيهما هل هما مترادفان أو مختلفان؟

- فذهب الحنفيّة، وأحمد بن حنبل في رواية والقاضي أي يعلى، وحكاه ابن عقيل عن أكثر الحنابلة، إلى التّفرقة بين الفرض والواجب، فما ثبت بدليل قطعي مثل الكتاب والسنّة المتواترة فهو الفرض، وذلك كالصّلوات الخمس، وصوم رمضان ونحوها؛ وما ثبت بدليل ظنيٍّ كخبر الواحد والقياس فهو الواجب؛ وذكر السّالميُّ أنّه قول بعض الإباضيّة.

- وذهب الجمهور إلى عدم التّفرقة بين الفرض والواجب، وأنّهما مترادفان، والخلاف بين الفريقين لفظي فهو راجع للاصطلاح؛ لذلك يتّفق الجميع على الآثار المترتّبة عن كلّ من القطعيِّ والظّني، فجاحد المقطوع به كافر عند كلّ منهما، وتارك المظنون فاسق. ينظر: الرّازي، المحصول من علم الأصول، تح: طه جابر العلواني، ط 2، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1412 هـ- 1992 م، ص (2/ 94)؛ آل تيمية، المسودّة في أصول الفقه، تح: محمّد محيي الدّين عبد الحميد، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، دت، ص (1/ 50)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (2/ 229)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 322)؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 149).