أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٠٧وقد اختلف الأصوليّون في الجزء الذي يتعلّق به الوجوب في الواجب الموسّع، أي الوقت الملزِم للمكلف الإتيان بالواجب فيه:
فذهب جمهور الأصوليّين(1) ومعهم الشّماخيُّ(2) إلى كون الإيجاب في الواجب الموسّع يقتضي إيقاع الفعل في أيّ جزء من أجزاء وقته، سواء كان ذلك في بدايته أم في وسطه أم في آخره. وهو قول جمهور الإباضيّة(3).
وحجّة الجمهور أنّ مقتضى التّوسيع في الوقت يفيد تخيير المكلّف في إيقاعه بأيّ جزء من أجزاء هذا الوقت المحدّد له؛ واستدلّوا لذلك بالحديث الذي يفيد بأنّ الله -عزّ وجل- لما فرض الصّلاة أرسل جبريل إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم - ليعلّمه أوقاتها وأفعالها، فأمّه مرّة في أوّل وقتها، ومرّة في آخر وقتها(4)، فدلّ هذا الحديث تخيير المكلّف بأداء الصّلاة في أيّ جزء من أجزاء الوقت المحدّد لها(5).
وذهب الحنفيّة إلى كون الإيجاب في الواجب الموسّع يتعلّق بآخر جزء من الوقت، واختلفوا بعد ذلك في أدائه في أوّل الوقت هل يقع فرضا أم نفلا، واستدلّوا لمذهبهم بأنّه ما دام تأخير المكلّف للفعل إلى آخر وقته جائز ولا يلحقه لأجل ذلك العقاب باتّفاق العلماء، أمّا لو ترك الواجب فإنه يلحقه الذّم والعقاب، فدلّ هذا على أنّ سبب الوجوب هو الجزء الأخير فقط.
وردّ الجمهور على حجّة الحنفيّة بأنّ ترك الواجب الموسع في أوّل الوقت لا يعتبر تركا، وأنّ هذا مقتضى التوسّع، فالمكلف فيه مخيّر بإيقاعه في أيّ جزء من أجزاء وقته كما في الواجب المخيّر؛ إلاّ أنّ المكلّف في الواجب المخيّر مخيّر بأن يوقع أيّ فرد من أفراد الواجب المخير لا يعتبر تركا للواجب(6).
(1) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 52).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 291.
(3) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 99)؛ امحمّد اطفيّش، شامل الأصل والفرع، تصحيح إبراهيم أطفيّش، ط 1، المطبعة السّلفيّة، القاهرة، مصر، 1348 هـ، ص (2/ 15)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 596.
(4) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب المواقيت، حديث رقم:393، ص (1/ 125)؛ وأخرجه التّرمذي في السّنن، وقال: «حديث حسن صحيح»، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، حديث رقم: 149، ص (1/ 278).
(5) محمّد أبو الفتح البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلامية، ط 1، دار القلم، دمشق، سوريا، 1409 هـ-1988 م، 113.
(6) البيانوني، المرجع نفسه، 117.