أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٠٨وقد اكتفى الشّماخيُّ في عرضه لهذه المسألة ببيان مذاهب العلماء فيها دون عرض للأدلّة، ثم رجّح رأي الإباضيّة الموافق للجمهور بقوله: «والصّحيح أنّ جميع وقته وقت الأداء ووافقنا على ذلك جمهور المخالفين»، ولم يذكر أدلّة أيّ فريق(1).
وتناول هذه المسألة أيضا في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد، حيث قال بعد بيانه للاختلاف الحاصل في وقت أداء الواجب الموسّع: «واعلم أنّ وقت الموسّع عندنا كلّه وقت للأداء، ففي أيّ جزء أوقعه فقد أوقعه في وقته»(2).
الفرع الثّالث: الواجب المعيّن والواجب المخيّر:
الواجب باعتبار تعيّن المطلوب به وعدم تعيّنه ينقسم إلى واجب معيّن وواجب مخيّر.
الواجب المعيّن: هو ما طلبه الشارع بعينه من غير تخيير بينه وبين غيره، كالصّلاة والصّيام، وحكم هذا النّوع من الواجب هو عدم براءة الذّمة إلا بفعله بعينه.
أمّا الواجب المخيّر أو المبهم: فهو ما طلب الشارع فعله لا بعينه، إنّما بالتخيير بين أمور معلومة، وللمكلّف أن يختار واحدا منها، وذلك كخصال كفارة اليمين في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أوسط مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾(3)، فإنّ الواجب فيها على الموسر ثلاثة أمور على التّخيير، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أمّا المعسر الذي لا يجد شيئا من تلك الخصال، وعجز عنها فيصوم ثلاثة أيام(4).
وقد اتّفق العلماء على تقسيم الواجب إلى هذين القسمين، كما اتّفقوا على أنّ الوجوب في الواجب المخيّر يسقط على المكلّف بأداء واحد من أفراده، إلا أنّهم اختلفوا في تعلّق الإيجاب في الواجب المخيّر هل هو متعلّق بجميع أفراده أم أنّه متعلّق بواحد منها؟
فذهب جمهور الأصوليّين ومعهم الشّماخيُّ إلى أنّ الخطاب في الواجب المخيّر إنّما يتعلّق بواحد من الأمور المخيّر فيها، والمكلّف حرّ في اختيار أيّ منها؛ إذ إنّ الشّارع لما ألزمه الكفّارة
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 291، 292.
(2) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 97.
(3) سورة المائدة، الآية:89.
(4) الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 128، 129.