أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
الجزء ١ · صفحة ١٠٩خيرّه بين خصالها، فدلّ ذلك على أنّ الواجب منها واحد غير محدّد، وهذا لا يناقض معاني الوجوب.
وذهب المعتزلة إلى أنّ الخطاب في الواجب المخيّر متعلّق بكلّ فرد من أفراده منكرين بذلك التّخيير؛ لأنّه يناقض الوجوب في نظرهم.
واختلف العلماء في تفسير مرادهم، فذهب بعضهم إلى أنّ مرادهم بتعلّقه بكلّ الأفراد، أنّه لا يجوز تركها كلّها، والمكلّف إذا تركها كلّها يكون آثما، وإذا فعلها كلّها يثاب بثواب واجب واحد، أمّا إذا فعل واحدا منها تبرؤ ذمّته، وعلى هذا يكون الخلاف بينهم وبين الجمهور لفظيّا.
وقال بعضهم إنّهم أرادوا إذا فعل الأمور كلّها فقد فعل واجبات، فيثاب عليها ثواب واجبات، وإذا تركها كلّها عوقب عليها عقاب تارك واجبات، وإذا فعل واحدا منها سقط عنه غيره، وبناء عليه يكون خلافهم مع الجمهور معنويّا(1).
نقل الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة بعد أن عرّف كلّا من الواجب المعيّن والمخيّر، ثم قال: «وقالت المعتزلة: الجميع واجب، ويسقط بالواحد، وقال بعض: الواجب واحد معيّن عند الله تعالى، وهو ما يفعل فيختلف بالنسبة إلى المكلّف، وقال بعض واحد معيّن فلا يختلف، لكنّه يسقط به وبالآخر».
ثمّ ردّ على هذه الأقوال، مرجّحا قول الإباضيّة الموافق لما ذهب إليه الجمهور، وساق لذلك مثالا فقال: «لنا إجماع الأمّة على وجوب تزويج أحد الأكفاء الخاطبين على التّخيير، ولو كان الجميع واجبا، وجب تزويج الجميع، ولو كان معيّنا لم يجُز تزويج غيره، والتّعيين نقيض التّخيير، والفرض أنّه مخيّر فبطل التّعيين»(2).
المطلب الرّابع: بعض أحكام المندوب والمباح.
الفرع الأوّل: هل المندوب مأمور به؟
(1) حقّق الشيخ بخيت المطيعي هذه المسألة، وانتهى إلى أنّ الخلاف بين الجمهور والحنفيّة معنويّ فيما عدا جانب واحد منها، وهو قولهم بسقوط الواجب بفعل بعض أفراده، فإنّ الخلاف فيها لفظي. ينظر: بخيت المطيعي، سلّم الوصول لشرح نهاية السّول، مطبوع في حاشية كتاب نهاية السّول في شرح منهاج الأصول للإسنوي، دط، عالم الكتب، دت، ص (1/ 140، 141)، محمّد أبو الفتح البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلامية، 132.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 292.