أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية عيسى بن باحمد بن مسعود مصباح

أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية

الجزء ١ · صفحة ١١٠

لا خلاف بين الأصوليّين في أنّ المندوب قد يرد بصيغة الأمر "افعل"، ولكنّهم مختلفون في كون المندوب مأمورا به حقيقة، أم لا.

وقد اختار الشّماخيُّ مذهب الجمهور القائلين بأنّ المندوب مأمور به(1)؛ معلّلا ذلك بأنّ المندوب طاعة ويثاب على فعله، وبكون الأمر منقسما بين الوجوب والنّدب، وذكر أنّ هذا قول أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي من الإباضيّة.

ثمّ بيّن أنّ كون المندوب مأمورا به لا يعني أنّه مكلّف به على أصحّ الأقوال؛ معّللا ذلك بكون التّكليف إلزام ما فيه مشقّة، ونسب للإسفراييني القول بأنّه مكلّف به، واعترض على هذا الرّأي فقال: «وليس بتكليف على الأصحّ فيها؛ لأنّ التّكليف إلزام ما فيه مشقّة»(2).

وذكر أنّ الوارجلانيَّ اختار قول عمروس بن فتح(3)، بأنّ المندوب غير مأمور به، ونسب هذا الرّأي للكرخي والرّازي(4).

(1) ذهب الجمهور من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والإباضيّة إلى أنّ المندوب مأمور به حقيقة. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 117)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 163)؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 319)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر وجنّة المناظر، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1994 م، 21؛ البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلاميّة، 180؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (1/ 238).

(2) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 98.

(3) هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني النّفوسي، أحد أعلام الإباضيّة في جبل نفوسة، أخذ العلم عن مشايخ الجبل، وكان معاصرا للإمام أبي اليقظان محمّد بن أفلح، تولّى القضاء بنفوسة، واستشهد سنة 283 م بواقعة مانو، ترك مصنّفات متعدّدة في العقيدة والفقه منها: "الدّينونة الصّافية"، "رسالة في الرّد على النّكاثة وأحمد بن الحسين". تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 136 - 140)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (2/ 366)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 690، ص (2/ 321).

(4) ذهب إلى القول بأنّ المندوب غير مأمور به، جمهور الحنفيّة وهو اختيار بعض المتكلّمين كالشّاشي والشّيرازي والرّازي وابن العربي وابن السّبكي وغيرهم، وإليه ذهب بعض الإباضيّة كعمروس بن فتح، وأبو يعقوب الوارجلاني. ينظر: الشّيرازي، التبصرة في أصول الفقه، تح: محمد حسن هيتو، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1403 هـ، ص (1/ 36)؛ ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، تح: حسين علي اليدري وسعيد فودة، دط، دار البيارق، عمّان، الأردن، 1420 هـ-1999 م، ص (1/ 67)؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف (1/ 68)؛ الرازي، المحصول، ص (1/ 62)؛ علي بن عبد الكافي السّبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، تح: جماعة من العلماء، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1404 هـ، ص (2/ 5)؛ البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلاميّة، 245؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب علم في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 238)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 602.